والثانية: القصد المستوى إلى الشيء من غير تعريج على غيره مأخوذ من: استوى السهم، وعلامة هذا المجاز: أن يعدى بإلى والأول يعدى بعلى، وعلى الثاني: يحمل قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} لاستحالة إرادة الحقيقة، والمجاز الأول.
قوله: (والمراد بالسماء: هذه الأجرام العلوية، أو جهات العلو) .
قال الطيبي: إنما عدل إلى هذا التأويل لفقدان المطابقة بين ذكر السماء والضمير فِي فسواهن إفرادا وجمعا.
فاصل الكلام حينئذ: ثم استوى إلى فوق فسوى سبع سموات: ألا ترى حين جعل السماء فِي معنى الجنس أو الجمع كيف جعل الضمير
للسماء لحصول المطابقة. فإذن المعنى على التقديرين الأخيرين ثم أراد تسوية السماوات فسواهن سبعا. كقوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} أي: فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، لكن الأول أقضى لحق البلاغة ومقام إرادة تفضيل خلق السماوات على الأرض بدليل
إيثار (ثم) الدالة على التراخي فِي الرتبة أدعى له فإفراد السماء لإرادة جهة فوق مؤذن بالتفضيل إذ التعبير عنها بها تعظيم لها مع أن فِي تصوير الفوقية فِي هذا الجانب تصوير ضدها فيما يقابلها ولرتبة هذه الفائدة أبهم ضمير السماوات ليشوق إلى ما يبينه ثم جيء بها مفسرا له فحصل من ذلك مزيد التفخيم لشأنها، وإن شئت فجرب ذوقك فِي قولك: ربه رجلا وقولك: رب رجل لتعرف الفرق، وليس فِي إرادة الجنسية تلك الفوائد ولا الجمعية مع أن تلك لغة غير فصيحة. وأما الفرق بين النصبين: فإن الضمير فِي فسواهن إذا رجع إلى السماء على المعنى، كان سبع سموات حالا، أي فسواهن كائنة سبع سموات أو سبع سموات متعددة على أنها حال موطنة نحو: {أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} وإذا كان الضمير مبهما، كان سبع سموات نصبا على التفسير والتمييز، نحو ربه