فإن قيل: فلم لم يرد ذكر أخذهم بالانتقام منهم لما أجرموا متصلاً بما تقدم من التذكير بالاعتبار بهم وكان يحصل ذلك كله في كلام متصل بعضه ببعض؟ ولم وقع ذكر أخذهم بالانتقام منهم لما كذبوا متأخراً عن الوارد من حالهم أولاً (التي) أمر هؤلاء ونهوا عن الاعتبار بها؟ قلت: جرى ذلك على المعتاد منه سبحانه في دعاء الخلق إلى الإيمان من التطلف والرفق في الدعاء ، وبذلك أمر رسله ، عليهم السلام ، فقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125) ، وقال لموسى ، عليه السلام: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) (إبراهيم: 5) أي بنعمة وآلائه قبلهم ، وقال لبني إسرائيل: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) (البقرة: 47) ، وقال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ) (طه: 80) ، وهذا في القرآن كثير ، فلما أمر هؤلاء وذكروا بالاعتبار بمن تقدم من القرون ، ولم يتقدم قبل الآية إلا التلطف والتأنيس ، لم يكن ليناسب ذلك من أخذالمكذبين إلا ما يكون إيماء وإشارة لا إفصاحاً ، فلذلك اكتفى أولاً من الإشارة إلى أخذهم بقوله سبحانه: (فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ) (الروم: 9) ، وترك الإفصاح بالانتقام إلى أن ورد إخباراً منه سبحانه لنبيه ، عليه السلام ، في غير معرض الدعاء إلى الإيمان فقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) (الروم: 47) ، وحصل التعريف بغاية حال المذكورين قبل في تكذيبهم ، فهذا موجب تفريق هذا الإخبار ، والله أعلم.