فهرس الكتاب
وَكَمْ لَهُ مِنْ آيَةٍ فِي فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مِنْ حِينِ بَعَثَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَيْهِمْ بَلْ قَبْلَ مَبْعَثِهِ إِلَى حَيْثُ إِغْرَاقُهُمْ، لَوْلَا مَعَاصِيهِمْ وَكُفْرُهُمْ لَمْ تَظْهَرْ تِلْكَ الْآيَاتُ وَالْعَجَائِبُ، وَفِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ فَإِنِّي سَأُقَسِّي قَلْبَهُ، وَأَمْنَعُهُ عَنِ الْإِيمَانِ لِأُظْهِرَ آيَاتِي وَعَجَائِبِي بِمِصْرَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ سُبْحَانَهُ فَأَظْهَرَ مِنْ آيَاتِهِ وَعَجَائِبِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مَا أَظْهَرَ.
وَكَذَلِكَ إِظْهَارُهُ سُبْحَانَهُ مَا أَظْهَرَ مِنْ جَعْلِ النَّارِ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِسَبَبِ ذُنُوبِ قَوْمِهِ وَمَعَاصِيهِمْ، وَإِلْقَائِهِمْ لَهُ فِي النَّارِ، حَتَّى صَارَتْ تِلْكَ آيَةً، وَحَتَّى نَالَ إِبْرَاهِيمُ بِهَا مَا نَالَ مِنْ كَمَالِ الْخُلَّةِ.
وَكَذَلِكَ مَا حَصَلَ لِلرُّسُلِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْمَنْزِلَةِ وَالزُّلْفَى عِنْدَ اللَّهِ وَالْوَجَاهَةِ عِنْدَهُ، بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلَى أَذَى قَوْمِهِمْ، وَعَلَى مُحَارَبَتِهِمْ لَهُمْ وَمُعَادَاتِهِمْ.
وَكَذَلِكَ اتِّخَاذُ اللَّهِ تَعَالَى الشُّهَدَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ وَالْأَصْفِيَاءَ مِنْ بَنِي آدَمَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلَى أَذَى بَنِي آدَمَ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالظُّلْمِ، وَمُجَاهَدَتِهِمْ فِي اللَّهِ، وَتَحَمُّلِهِمْ لِأَجْلِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ مَا هُوَ بِعَيْنِهِ وَعِلْمِهِ، وَاسْتِحْقَاقُهُمْ بِذَلِكَ رِفْعَةُ الدَّرَجَاتِ.
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْحِكَمِ الَّتِي وُجِدَتْ بِسَبَبِ ظُهُورِ الْمَعَاصِي وَالْجَرَائِمِ، وَكَانَ مِنْ سَبَبِهَا تَقْدِيرُ مَا يَبْغَضُهُ اللَّهُ وَيَسْخَطُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مَحْضَ الْحِكْمَةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ وَآثَرُ عِنْدَهُ مِنْ فَوْتِهِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْمَعْصِيَةِ.