فهرس الكتاب
الثاني: أنه قال: {اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم الذي عَلَّمَ بالقلم} وقد ثبت فِي أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى إنما استحق الوصف بالأكرمية لأنه أعطى العلم فلولا أن العلم أشرف من غيره وإلا لما كانت إفادته أشرف من إفادة غيره: الثالث: قوله سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} وهذه الآية فيها وجوه من الدلائل على فضل العلم.
أحدها: دلالتها على أمم من أهل الجنة وذلك لأن العلماء من أهل الخشية ؛ ومن كان من أهل الخشية كان من أهل الجنة فالعلماء من أهل الجنة فبيان أن العلماء من أهل الخشية قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء} [فاطر: 28] وبيان أن أهل الخشية من أهل الجنة قوله تعالى: {جزاءهم عند ربهم جنات عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} [البينة: 8] إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ} ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ} ويدل عليه أيضاً قوله تعالى:"وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فإذا أمنني فِي الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني فِي الدنيا أمنته يوم القيامة"واعلم أنه يمكن إثبات مقدمتي هذه الدلالة بالعقل ، أما بيان أن العالم بالله يجب أن يخشاه ، فذلك لأن من لم يكن عالماً بالشيء استحال أن يكون خائفاً منه ، ثم إن العلم بالذات لا يكفي فِي الخوف ، بل لا بدّ له من العلم بأمور ثلاثة.
منها: العلم بالقدرة ، لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة ، لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعها.
ومنها: العلم بكونه عالماً ، لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته ، ولكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه.
ومنها العلم بكونه حكيماً.