{بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي بسبب الذي كانوا يعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة على أن ما موصولة والعائد محذوف والباء سببية، وكون ذلك سبباً بمقتضى فضله تعالى ووعده عز وجل فلا ينافي حديث"لا يدخل أحدكم الجنة بعمله"ويجوز أن تكون الباء للمقابلة والمعاوضة كعلى في نحو بعتك الدار على ألف درهم أي فلهم ذلك على الذي كانوا يعملونه.
{وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ} أي خرجوا عن الطاعة فكفروا وارتكبوا المعاصي {فَمَأْوَاهُمُ} أي فمسكنهم ومحلهم {النار} وذكر بعضهم أن المأوى صار متعارفاً فيما يكون ملجأ للشخص ومستراحاً يستريح إليه من الحر والبرد ونحوها فإذا أريد هنا يكون في الكلام استعارة تهكمية كما في قوله تعالى: {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٌ} [آل عمران: 1 2] ، وجوز أن يكون استعمال ذلك من باب المشاكلة لأنه لما ذكر في أحد القسمين فلهم جنات المأوى ذكر في الآخر {فَمَأْوَاهُمُ النار} {كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ} استئناف لبيان كيفية كون النار مأواهم والكلام على حد قوله تعالى: {جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} [الكهف: 77] على ما قيل، والمعنى كلما شارفوا الخروج منها وقربوا منه أعيدوا فيها ودفعوا إلى قعرها، فقد روي أنهم يضربهم لهب النار فيرتفعون إلى أعلاها حتى إذا قربوا من بابها وأرادوا أن يخرجوا منها يضربهم اللهب فيهوون إلى قعرها وهكذا يفعل بهم أبداً، وقيل: الكلام على ظاهره إلا أن فيه حذفاً أي كلما أرادوا أن يخرجوا منها فخرجوا من معظمها أعيدوا فيها، ويشير إلى أن الخروج من معظمها قوله تعالى: {فِيهَا} دون إليها، أن يكون الكلام هنا عبارة عن خلودهم فيها، وأياً ما كان لا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى: {وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار} [البقرة: 167] {وَقِيلَ لَهُمْ} تشديداً عليهم وزيادة في غيظهم.