يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها أي السعادة وكثرة الأموال فَتَعالَيْنَ أي أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد الأمرين، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن أُمَتِّعْكُنَّ أي أعطكن متعة الطلاق وَأُسَرِّحْكُنَّ أي وأطلقكن سَراحاً جَمِيلًا لا ضرار فيه
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً وقد اخترن - رضوان الله عنهن - الله ورسوله والدار الآخرة فجمع الله تعالى لهن بين خير الدنيا وسعادة الآخرة.
كلمة في السياق:
إن هذا الخطاب في سياق السورة المبدوءة ب يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ... يدل على أن هذا التخيير من التقوى المأمور بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم؛ إذ إنّ إرادة الحياة الدنيا خلق من أخلاق الكافرين، وهي أخلاق لا ينبغي أن تصيب بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومن هنا نعرف كيف أن سورة الأحزاب كسورة النساء تبني قضية التقوى، ولنعد
إلى التفسير.
فبعد الخطاب المباشر لرسول الله صلّى الله عليه وسلم يتّجه الخطاب لأزواج رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليدلهنّ على المقام الأعلى لتقوى النساء يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ أي بسيّئة بليغة في القبح مُبَيِّنَةٍ أي ظاهر فحشها، قال ابن كثير: (قال ابن عباس رضي الله عنه وهي النشوز وسوء الخلق، وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع) وإنما قال ابن كثير ذلك ليبيّن عصمة أزواج الأنبياء من الزنا يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ في الدنيا والآخرة. قال النسفي:
(ضعفي عذاب غيرهن من النساء؛ لأن ما قبح من سائر النساء كان أقبح منهن، فزيادة قبح المعصية تتبع زيادة الفضل، وليس لأحد من النساء مثل فضل نساء النبي صلّى الله عليه وسلم، ولذا كان الذم للعاصي العالم أشد من العاصي الجاهل، لأن المعصية من العالم أقبح، ولذا فضل حد الأحرار على العبيد ولا يرجم الكافر) . وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي وكان تضعيف العذاب لهنّ سهلا هيّنا عليه