ومن تلاعب الشيطان بهم أنهم كانوا في البرية قد ظلَّل الله عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فملوا ذلك، وزهدوا في أحسن الأطعمة وأشرفها، واستهانوا بأوامر الله ونعمه، فجازاهم الله من جنس عملهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة كما قال سبحانه: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) } [البقرة: 61] .
ومن تلاعبه بهم أن الله سبحانه أنجاهم من فرعون وسلطانه وظلمه، وفَرَقَ بهم البحر، وأراهم الآيات والعجائب، ونصرهم وآواهم، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، ثم أمرهم بدخول القرية التي كتب الله لهم، وبشرهم بها، فأبوا طاعته، وامتثال أمره.
وقابلوا هذا الأمر والبشارة بقولهم لنبيهم: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) } [المائدة: 24] .
فسبحان من عَظُم حلمه .. حيث يُقابل أمره بمثل هذه المقابلة .. ويواجه رسوله بمثل هذا الخطاب .. وهو يحلم عنهم ولا يعاجلهم بالعقوبة .. بل وَسِعهم حلمه وكرمه فظللهم بالغمام .. وأنزل عليهم المن والسلوى من السماء.
ومن تلاعب الشيطان بهم أن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل ببعضها، فتعنتوا وأكثروا الأسئلة عن البقرة، فشددوا فشدد الله عليهم، وقالوا لموسى: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) } [البقرة: 67] .
وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله، فإنها لما تعينت لهم توقفوا في الامتثال وما كادوا يفعلون.