إني لا زلت أتعجب منذ أن قرأت المقال إلى أن كتبت هذه الكلمات من تفريق الكاتب بين ما قاله رأياً وإرشاداً ، وبين ما قاله تشريعاً ، فإن الذي علمته وقرأته وسمعته من أهل العلم المتخصصين به ، الممارسين له ، أن الإرشاد الذي يرشد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمته هو عين التشريع ، ولم أعلم أن أحدا فرق بين أقواله عليه السلام ، وقال إن هذا القول يراد به الإرشاد لا التشريع؟!.
إن الذي علمناه من دين الله أن الأوامر الشرعية - سواء صدرت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عن الله تعالي - قد ترد للوجوب ، أو الندب ، أو الإباحة ، أو الإرشاد ، وذكر العلماء ما يزيد عن عشرين معنى ترد له صيغة الأمر ، والإرشاد أحد معانيه ، فالذي يقابل الإرشاد هو الوجوب والندب وغيرهما ، لا التشريع كما قال صاحب المقال ، فما ورد منه عليه السلام على سبيل الإرشاد هو جزء من التشريع ، ويجب على الأمة أن تعمل به حسبما ورد له ، وليس لها أن تقول: هذا وارد على سبيل الإرشاد لا على سبيل التشريع ولا نريد أن نعمل به:
]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[ {الأحزاب / 36}
] مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ[ {النساء / 80}
] قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ[ {آل عمران / 31}
وليعلم أيضا أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأيا هو أيضا تشريع ، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما ينطق عن الهوى:
] وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى [ {3} ] إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[ {النجم / 3 ، 4}
كما بينا ذلك في الفقرة السابقة في اجتهاده عليه السلام ، وإذا لم يكن رأيه وإرشاده عليه الصلاة والسلام تشريعاً ، فما الذي يكون تشريعاً..؟
ثانياً: