والخلاصة: أقعد هؤلاء المشركون بالله في مساكنهم، ولم يسيروا في الأرض التي أهلكتا فيها أهلها بكفرهم بنا، وتكذيبهم رسلنا أثناء رحلاتهم التي يسلكونها إلى طريق الشام في تجاراتهم، فينظروا على أي حالة كان أخذهم، ألم نهلكهم ونخرب مساكنهم، ونجعلهم مثلًا لمن بعدهم، فيتعظوا لهم، ويزدجروا عما هم عليه من الشرك بعبادتهم الآلهة من الأوثان والأصنام.
ثم بين أنهم إذا صاروا على تمردهم وعنادهم .. فهم لا يفلتون من عقابه، فقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ} تقرير لما يفهم مما قبله عن استئصال الأمم السابقة، واللام و {من} لتأكيد النفي المستفاد من {ما} والمعنى: استحال من كل الوجوه أن يعجز الله سبحانه شيء ويسبقه ويفوته {فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا} تأكيد آخر لـ {ما} النافية، ففي الكلام ثلاث تأكيدات {في الأرض} ؛ أي: ما كان ليسبقه ويفوته شيء من الأشياء كائنًا ما كان فيهما، {إِنَّهُ} سبحانه، {كَانَ عَلِيمًا} ؛ أي: بليغ العلم بكل شيء في العالم مما وجد ويوجد {قَدِيرًا} ؛ أي: بليغ القدرة على كل ممكن، ولذلك علم بجميع أعمالهم السيئة، فعاقبهم بموجبها، فمن كان قادرًا على معاقبة من قبلهم كان قادرًا على معاقبتهم إذا كانت أعمالهم مثل أعمالهم، أي: إنه تعالى عليم بمن يستحق أن تعجل له العقوبة، ومن قد تاب وأناب إلى ربه، ورجع عن ضلالته، قدير على الانتقام ممن شاء منهم، وعلى توفيق من أراد بالإيمان.
والإشارة في الآية أنه ما خاب له تعالى وليٌ، ولا ربح له عدوٌ فقد وسع لأوليائه فضلًا كثيرًا، ودمرَّ على أعدائه تدميرًا، وسبب الفضل والولاية هو التوحيد، كما أن سبب القهر والعداوة هو الشرك، وأن الله تعالى أمهل عباده، ولم يأخذهم بغتة، ليروا أن العفو والإحسان أحب إليه من الأخذ والانتقام، وليعلموا شفقته وبره وكرمه، وأن رحمته سبقت غضبه.