كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 8، 9] ذكر هاهنا فقرة إلى الوجود فوجده الله عائلاً عن وجوده فأغناه بجوده وبقوله: {لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القَمَرَ} [يس: 40] يشير إلى أن القمر عند تلاشي وجوده وفقره عن الوجود وإن كانت الشمس تغنيه بجودها وتنور القمر شمساً والشمس قمراً فكذلك قمر القلب متوجه إلى شمس الحق تعالى يتنور بنورها.
لا تدرك القمر ليصير القمر، {وَلاَ الَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ} [يس: 40] ؛ ليكون نهاراً؛ يعني: لا يصير القمر شمساً ولا الشمس قمراً، فكذلك القلب بتوجهه إلى شهود الحق تعالى بتنورها، كما قال تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر: 69] ، ولكنه لا يصير الرب تعالى عبداً ولا العبد ربَّا.
{وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] ، فالرب تعالى يسبح في فلك الربوبية، والعبد في فلك العبودية، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، من أصحاب الحلول وأرباب الفضول.
ثم أخبر بعد السير في الفلك بقوله تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس: 41] ، يشير إلى حمل عباده في سفينة الشريعة خواضهم في بحر الحقيقة، دعواتهم في بحر الدنيا، فإن من نجا من تلاطم أمواج الهوى في بحر الدنيا، إنما نجا بحمله العناية في سفينة الشريعة، وكذلك من تلاطم أمواج الشبهات في بحر الحقيقة بحمله عواطف إحسان ربه في سفينة الشريعة، بملاحية أرباب الطريقة.