فهرس الكتاب
جاء في الجملة الأولى: {لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ} فاختير فيها التعبير بعبارة: {بِمَا عَمِلُواْ} دون عبارة: بالسُّوأى. مع ما في هذه العبارة من مقابلةٍ عَكْسِيَّة لعبارة {بالحسن} في الجملة الثانية يتحقق بها الطباق، لتأدية معاني لا تؤدّى بعبارة: بالسوأى، أو بالسّيئة، ومن هذه المعاني: أنَّ الجزاء على السيئة يكون بمِثْلِها تماماً، وهذا المعنى تؤدّيه عبارة {بِمَا عَمِلُواْ} أداءً وافياً، أمّا عبارة: بالسُّوأَى، فهي غير صالحة، لأن لفظ السُّوأى مؤنَّثُ أسْوء، والله لا يجزي على السَّيئة بالأسُوَءِ منها. وأمّا عبارة: بالسيئة، فهي عبارة عامّة لا تَدُلُّ على المماثلة، إذ قد تكون سيئة الجزاء أكثر من سيّئة العمل، وهذا أمْرٌ غير مُراد. مع ما في عبارة: {بِمَا عَمِلُواْ} من البُعْدِ عن نسبة فعْلِ السيئة إلى الله ولو كانت على سبيل الجزاء.
{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) }
وقوله فيها: {وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى (48) }
جاء في أفعال هذه الآيات الثلاث حذف المفعول به تنزيلاً للفعل المتعدي منزلة الفعل اللازم، إذ الغرض بيان أنّ الله عزّ وجلّ هو الذي تكون بخلقه هذه الأفعال التي تحدث في الناس، فذكْرُ المفعول به إطناب لا لزوم له، إذْ هو خارج عن المقصود بالبيان.
ونظيره قول إبراهيم عليه السلام لنمرود في محاجته له، كما جاء في سورة البقرة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ ...} [الآية: 258] .
أي: هو الذي يكون بخلقه الإِحياء والإِماتة.
{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى (49) }
الشِّعْرَى: نجم يقالُ له الشِّعْرَى الْعَبُور، وهو نجم نَيّرٌ يَطْلُع عنْدَ شدّة الحرّ، ولشِعْرَى العَبُور أخْتٌ يُقالُ لها: الشِّعْرَى الغُمَيْصَاء، قالوا: وهما أخْتا نَجْم سُهَيْل.
والشّعْرَى الْعَبُور عبَدَها رجُلٌ ظهر في العَرَب يُعْرَفُ بابن أبي كَبْشة، ودَعا خَلْقاً من العرب إلى عبادتها، فخصَّ الله في هذه الآية من سورة النجم (الشّعْرَى) بالذّكر دون غيرها من النجوم، مع أنّه جلّ وعلا رَبُّ كُلّ النجوم وربُّ كُلّ شيء، لأنّ هذا الرجُل قد ظهر في العرب ودعا الناس إلى عبادتها، فمن أجل هذه النكتة خُصَّت الشِّعْرَى بالذكر.