ثم قال تعالى: {ذلك مبلغهم من العلم} {ذلك} فيه وجوه الأول: أظهرها أنه عائد إلى الظن ، أي غاية ما يبلغون به أنهم يأخذون بالظن وثانيها: إيثار الحياة الدنيا مبلغهم من العلم ، أي ذلك الإيثار غاية ما بلغوه من العلم ثالثها: {فَأَعْرَضَ عن من تولى} [النجم: 29] وذلك الإعراض غاية ما بلغوه من العلم ، والعلم على هذا يكون المراد منه العلم بالمعلوم ، وتكون الألف واللام للتعريف ، والعلم بالمعلوم هو ما في القرآن ، وتقرير هذا أن القرآن لما ورد بعضهم تلقاه بالقبول وانشرح صدره فبلغ الغاية القصوى ، وبعضهم قبله من حيث إنه معجزة ، واتبع الرسول فبلغ الدرجة الوسطى ، وبعضهم توقف فيه كأبي طالب ، وذلك أدنى المراتب ، وبعضهم رده وعابه ، فالأولون لم يجز الإعراض عنهم ، والآخرون وجب الإعراض عنهم ، وكان موضع بلوغه من العلم أنه قطع الكلام معه الإعراض عنه ، وعليه سؤال وهو: أن الله تعالى بين أن غايتهم ذلك: ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له ، والصبي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم الله ؟ .
نقول ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر الله ، فكأن عدم علمهم لعدم قبولهم العلم ، وإنما قدر الله توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك فيحقق العقاب ، قال الزمخشري: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ العلم} كلام معترض بين كلامين ، والمتصل قوله تعالى: {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا} [النجم: 29] {إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} وعلى ما ذكرنا المقصود لا يتم إلا به ، يكون كأنه تعالى قال: أعرض عنهم فإن ذلك غايتهم ، ولا يوجد وراء ما ظهر منهم شيء ، وكأن قوله: {عن من تولى} إشارة إلى قطع عذرهم بسبب الجهل ، فإن الجهل كان بالتولي وإيثار العاجل.