فهو العلم السابق على ظاهر أعمالهم. العلم المتعلق بحقيقتهم الثابتة ، التي لا يعلمونها هم ، ولا يعرفها إلا الذي خلقهم. علم كان وهو ينشئ أصلهم من الأرض وهم بعد في عالم الغيب. وكان وهم أجنة في بطون أمهاتهم لم يروا النور بعد. علم بالحقيقة قبل الظاهر. وبالطبيعة قبل العمل.
ومن كانت هذه طبيعة علمه يكون من اللغو - بل من سوء الأدب - أن يعرّفه إنسان بنفسه ، وأن يعلمه - سبحانه - يحقيقته! وأن يثني على نفسه أمامه يقول له: أنا كذا وأنا كذا:
{فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} ..
فما هو بحاجة إلى أن تدلوه على أنفسكم ، ولا أن تزنوا له أعمالكم ؛ ؛ فعنده العلم الكامل. وعنده الميزان الدقيق. وجزاؤه العدل. وقوله الفصل. وإليه يرجع الأمر كله.
بعد ذلك يجيء المقطع الأخير في السورة. في إيقاع كامل التنغيم ، أشبه بإيقاع المقطع الأول. يقرر الحقائق الأساسية للعقيدة كما هي ثابتة منذ إبراهيم صاحب الحنيفية الأولى. ويعرف البشر بخالقهم ، بتعليمهم بمشيئته الفاعلة المبدعة المؤثرة في حياتهم ويعرض آثارها واحداً واحداً بصورة تلمس الوجدان البشري وتذكره وتهزه هزاً عميقاً.. حتى إذا كان الختام وكان الإيقاع الأخير تلقته المشاعر مرتجفة مرتعشة متأثرة مستجيبة:
أفرأيت الذي تولى ، وأعطى قليلاً وأكدى؟ أعنده علم الغيب فهو يرى؟ أم لم ينبأ بما في صحف موسى ، وإبراهيم الذي وفَّى. ألاّ تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزآء الأوفى. وأن إلى ربك المنتهى. وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا. وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى. وأن عليه النشأة الأخرى ، وأنه هو أغنى وأقنى. وأنه هو رب الشعرى. وأنه أهلك عاداً الأولى. وثمود فمآ أبقى. وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى. والمؤتفكة أهوى. فغشاها ما غشى. فبأي آلاء ربك تتمارى؟