والاستثناء في قوله: {إِلَّا اللَّمَمَ} منقطع؛ أي: إلا ما قل وصغر من الذنوب لأن المراد باللمم: الصغائر. وهي لا تدخل في الكبائر. وذلك كالنظرة، والكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث، والضحك في الصلاة المفروضة، والنياحة، وشق الجيب في المصيبة، والتبختر في المشي، والجلوس بين الفساق إيناسًا بهم، وإدخال مجانين وصبيان ونجاسةٍ المسجد إذا كان يغلب تنجيسهم له، واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة، اهـ خطيب.
والمعنى: إلا ما قلَّ وصغر من الذنوب. فإنه مغفور ممن يجتنب الكبائر. يعني: إن الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن، إذا اجتنب الكبائر. قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وقال: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} . وقيل: هي النظر بلا تعمد، فإن أعاد النظر فليس بلمم، وهو مذنب. والغمزة والقبلة كما روي أن نبهان التمّار أتته امرأة لتشتري التمر، فقال لها: أدخلي الحانوت، فعانقها وقبلها، فقالت المرأة: خنت أخاك، ولم تصب حاجتك، فندم، وذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فنزلت الآية.
وقيل: هي الخطرة من الذنب؛ أي: ما خطره من الذنب على القلب بلا عزم. وقيل: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدًّا ولا عذابًا. وقال بعضهم: اللمم والإلمام: ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين ولا يكون له عادة، ولا إقامة عليه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: إلا أن يلم بالفاحشة مرة، ثم يتوب ولم يثبت عليها. فإن الله يقبل توبته. ويؤيده تمثل النبي - صلى الله عليه وسلم - قول أمية:
إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا
أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وبه قال مجاهد؛ والحسن، والزهري، وغيرهم.
واختار هذا القول الزجاج والنحاس. فالاستثناء على هذا متصل. والراجح الأول. واللمم: مأخوذ من قولهم: ألممت بكذا؛ أي: نزلت به وقاربته من غير مواقعة. قال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب.