فَإِنْ قُلْتَ: لم قدم موسى هنا على إبراهيم، وعكس في سورة الأعلى؟
قلت: إنما قدم موسى هنا لما أنَّ صحفه التي هي التوراة أشهر عندهم وأكثر، وأيضًا هو من باب الترقي من الأقرب إلى الأبعد لكون الأقرب أعرف، وأيضًا أن موسى صاحب كتاب حقيقة بخلاف إبراهيم. وقدم إبراهيم على موسى في سورة الأعلى لغرض الفاصلة.
وقرأ الجمهور {وَفَّى} بتشديد الفاء. وقرأ أبو أمامة الباهلي، وسعيد بن جبير، وأبو مالك الغفاري، وابن السميفع، وزيد بن علي بتخفيفها. ولم يذكر متعلق {وَفَّى} إفادة للعموم، ذكره في"البحر".
38 -ثم بين سبحانه ما في صحفهما، فقال: {أَلَّا تَزِرُ} ؛ أي: والذي في صحفهما أنه لا تزر، ولا تحمل نفس {وَازِرَةٌ} ؛ أي: حاملة وزرًا وحملًا {وِزْرَ أُخْرَى} ، أي: حمل نفس أخرى. ومعناه: لا تؤخذ نفس بذنب نفس أخرى. وأصله: أن لا تزر؛ على أن {أن} هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، والجملة المنفية خبرها. ومحل الجملة الجر، على أنها بدل عن {مَا} في قوله:
{بِمَا في صُحُفِ مُوسَى} ، أو الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: أي شيء في صحفهما؛ فقيل: هو أنه؛ أي: الشأن لا تحصل نفس من شأنها الحمل حمل نفس أخرى، من حيث إنه تتعرى منه المحمول عنها، ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره؛ ليتخلص الثاني من عقابه، فالمراد بالوازرة: هي التي يتوقع منها الوزر والحمل، لا التي وزرت وحملت ثقلًا، وإلا فكان مقتضى المقام أن يقال: لا تحمل فارغة وزر أخرى. إذ لا تحمل مثقلة بوزرها غير الذي عليها.
وفي هذا: إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أنه يحمل عنه الإثم. وقال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره، كان الرجل يقتل بقتل أبيه، وابنه، وأخيه، وامرأته، وعبده حتى كان إبراهيم عليه السلام فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله تعالى أن لا تزر وازرة وزر أخرى.