قلت: العجبُ كيف يقولُ: فعلى ماذا ينتصِبُ؟ وانتصابُه من وجهَيْن ، أحدُهما: وهو الظاهرُ البيِّن - أنْ يكونَ عطفَ بيانٍ ، وعطفُ البيانِ يَصْدُقُ عليه أنه مُفَسِّرٌ ، وهي عبارةٌ سائغةٌ شائعةٌ . والثاني: أَنْ ينتصِبَ بإضمار أَعْني ، وهي عبارةٌ سائغةٌ أيضاً يُسَمُّون مثلَ ذلك تفسيراً . وقد مَنَعَ أبو البقاء أن ينتصِبَ الجزاء الأَوْفى على المصدرِ ، فقال:"الجزاءَ الأوفى هو مفعولُ"يُجْزاه"وليس بمصدرٍ لأنَّه وَصَفَه بالأَوْفى ، وذلك مِنْ صفةِ المَجْزِيِّ به لا من صفةِ الفعلِ". قلت: وهذا لا يَبْعُدُ عن الغلطِ ؛ لأنه يلزَمُ أَنْ يتعدَّى يُجْزى إلى ثلاثةِ مفاعيل . بيانه: أنَّ الأولَ قام مقامَ الفاعلِ ، والثاني: الهاءُ التي هي ضميرُ السعي ، والثالث: الجزاءَ الأوفى . وأيضاً فكيف يَنْتَظم المعنى؟ وقد يُجاب عنه: بأنه أراد أنه بدلٌ من الهاءِ كما تقدَّم نَقْلُه عن الزمخشريَّ فيَصِحُّ أَنْ يُقالَ: هو مفعولُ"يُجْزاه"، فلا يتعدَّى لثلاثةٍ حينئذٍ ، إلاَّ أنه بعيدٌ مِنْ غَرَضِه ، ومثلُ هذا إلغازٌ . وأمَّا قولُه:"والأوفى ليس من صفات الفعل"ممنوعٌ ، بل هو من صفاتِه مجازٌ ، كما يُوْصف به المجزيُّ به مجازاً ، فإن الحقيقةَ في كليهما منتفيةٌ ، وإنما المُتَّصِفُ به حقيقةُ المُجازَى .
وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42)
قوله: {وَأَنَّ إلى رَبِّكَ} : العامَّةُ على فتح هذه الهمزةِ وما عُطِفَ عليها بمعنى: أن الجميعَ في صُحُفِ موسى وإبراهيم . وقرأ أبو السَّمَّال بالكسرِ في الجميع على الابتداءِ . وقولُه:"أَضْحك وأَبْكى"وما بعده: هذا يُسَمِّيه البيانيون الطباقَ والتضادَّ ، وهو نوعٌ من البديعِ ، وهو أَنْ يُذْكَرَ ضدان أو نَقْيضان أو متنافيان بوجهٍ من الوجوه .
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48)