وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أن الفعل التأسيسي لظاهرة الثنائية الضدية انبثق عن التراث الأدبي العربي. بحيث نجد الوعي الصوفي العربي سباقاً إلى بعث هذه الثنائيات التي تعكس رؤية تأملية استبطانية. فلقد ألفينا ابن عربي في الفتوحات المكية يوضح هذه العلاقة من خلال تمييزه بين"المضمون الأول الذي هو النص من حيث دلالته الوضعية، والمضمون الثاني الذي هو النص من حيث دلالته الرمزية."
ويسمي وجه الرسالة الأول (العبارة) في حين يسمي وجه الرسالة الثاني (الإشارة) "."
وفي هذا الإطار دائماً، نجد أن مبدأ التقسيم الثنائي للكلام، كان حاضراً في مرصودات البلاغيين، بحيث ألفينا تأصيله عند الجرجاني بقوله:"الكلام على ضربين. ضرب أن تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وضرب آخر لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة. ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض."
ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل". إلا أن النص القرآني يزيد على ذلك، حين يتعلق الأمر بالإيقاع، حيث نجده يحمل الدلالة اللفظية التي نكشفها نحن من طرف خفي."
وفي هذا الشأن وجدنا [مايكل ريفاتير] يقول:"إن الأدب بقوله شيئاً، يقول شيئاً آخر. ويمكن طرح القاعدة طرحاً متطرفاً - عن طريق قياس المخالفة - بالقول: إن الأدب عندما يقول شيئاً، يقول لا شيء".
وإذا كانت طبيعة هذه الرؤية، قد انسحبت على النص القرآني فإنها لا شك قد تولدت عنه وبلورت الفكر الصوفي، فاستجاب لها.
غير أن هذه الثنائية لا يعني أنها تختلف في تصورها عن جدل الثنائيات الأخرى التي تفضي إلى تعددية النص وإحالته إلى أبعاد رمزية يستحضرها المتلقي، بناء على درجة فهمه ومستوى وعيه التفكيكي وقدرته على مجارات التأويلية.
2 -دلالة المضارع في النص: