إن العبارة السابقة يحاول فيها الخطيب ن يضع أيدينا على هذا السر الذي جعل لكلمات القرآن على مَن يسمعه من الأثر الواضح ما لا نجده مما نسمعه من كلام آخر، فكلمات القرآن قد رحلت إلى الملأ الأعلى حيناً من الزمن، أعطاها هذا الرحيل سراً يخطف الأبصار، ويخلب الألباب، ويجعل المؤمنين به في شوق دائم لسماعه، وغير المؤمنين في عجب ودهش من أمره.
ويقول الدكتور الخطيب ـ معلقاً على كلام الإمام الخطابي عن الإعجاز التأثيري للقرآن، والذي سبق لنا ذكره، والذي أثبتنا أنه وجه إعجاز القرآن عنده ـ: (وهذا الوجه من وجوه الإعجاز هو ـ فيما ترى ـ المعجزة القائمة في القرآن أبداً، الحاضرة في كل حين، وهي التي تسع الناس جميعاً، عالمهم وجاهلهم، عربيهم وأعجميهم، إنسهم وجنهم(قل أوحى إليَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً) .
ويعقب على قول السكاكي: (اعلم أن الإعجاز يدرك، ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن، تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. وكما يدرك طيب النغم العارض للصوت، ولا يدرك تحصيله لغير ذي الفطرة السليمة) ـ بقوله ـ: (وما يقول السكاكي عن إعجاز القرآن ـ هنا ـ هو مقطع القول كله في هذا الأمر، إذ ليس الإعجاز الذي رآه الناس إلا روعة تملكهم، وإلا جلالاً يحيط بهم، وما كان لكلام أن يصور حقيقة الروعة، أو يمسك مواقع الجلال، إنها معان تدرك، تستشعر، ولا توصف! ولهذا فإن الناس مع القرآن على منازل ودرجات وحظوظ ...) .
كان حديث الدكتور عن الإعجاز يرتكز بصورة أساسية على ما يحدثه القرآن من أثر في النفوس، كما رأينا ذلك واضحاً في مقارنته بين أثر كلام البشر وكلمات القرآن على النفوس البشرية المؤمنة بالقرآن، والمنكرة له على سواء.
إن آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، ومواقف الصحابة. بل وما في واقع الحياة البشرية في عصرنا الحالي وكل ما ذكره الدكتور تثبت وترصد مظاهر هذا الوجه من وجوه الإعجاز في حياة البشر وتؤكد اختياره له.
إن الدكتور ذهب إلى أكثر من الاختيار لوجه الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما أخذ يبين مزايا هذا الوجه دون سواه، فهذا الوجه يمتاز عن سائر وجوه الإعجاز بأنه: