ظاهر قوله تعالى: {قم اليل إلا قليلا} أن التهجد كان فريضة عليه صلى الله عليه وسلم وأن فرضيته كانت خاصة به ، ومما يدل عليه قوله تعالى في سورة الإسراء [79] {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} فإن قوله: {نافلة لك} بعد الأمر بالتهجد ظاهر في أن الوجوب من خصائصه عليه الصلاة والسلام وليس معنى النافلة في هذه الآية ما يجوز فعله وتركه ، فإنه على هذا الوجه لا يكون خاصا به عليه الصلاة والسلام ، بل معنى كونه التهجد نافلة له أنه شيء زائد على ما هو مفروض على سائر الأمة .
وقد كان المؤمنون يصلون مع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ورمت أقدامهم وسوقهم من القيام ، فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في آخر السورة: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك ...} [المزمل: 20] إلى قوله: {علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] الآية .
قال ابن عباس: وكان بين أول هذا الإيجاب وبين نسخه سنة .
وقال جماعة من المفسرين: ليس في القرآن سورة نسخ آخرها أولها سوى هذه الآية .
الحكم الثاني: هل تجوز قراءة القرآن بالتلحين؟
أمر الله جل ثناؤه بترتيل القرآن {ورتل القرآن ترتيلا} أي اقرأه على تؤده وتمهل وتبين حروف ، بحيث يتمكن السامع من استيعابه وتدبر معانيه .
ولا خلاف بين العلماء أن قراءة القرآن بالترتيل بمعنى التجويد ، وهو تبيين الحروف ، وتحسين المخارج ، وإظهار المقاطع حسن مطلوب ، إنما الكلام في التغني به وتلحينه هل هو جائز أم ممنوع؟
وقد اختلفت فيه آراء الأئمة الفقهاء ، تبعا لاختلاف الصحابة والتابعين ، ونحن نذكر مذاهبهم مع أدلة كل فريق بشيء من التفصيل ، فنقول ومن الله نستمد العون:
مذاهب الفقهاء في القراءة بالتلحين: