فهرس الكتاب
وقد استدل جماعة على أن القرآن غير مخلوق بأن الله ذبكر الإنسان فِي ثمانية
عشر موضعاً وقال"إنه مخلوق"، وذكر القرآن فِي أربع وخمسين موضعاً ولم
يقل إنه مخلوق.
ولما جمع بينهما غاير ، فقال: (الرَّحْمَنُ(1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) .
فهذا أحد وجوه إعجازه.
الوجه الثاني من وجوه إعجازه
كونه محفوظاً عن الزيادة والنقصان ، محروسا عن التبديل والتغيير على تطاول
الأزمان ، بخلاف سائر الكتب.
قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
فلم يقدر أحد بحمد الله على التجاسر عليه.
الوجه الثالث من وجوه إعجازه
حُسْن تأليفه ، والتئام كلمه ، فصاحتها ، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادةَ
العرب الذين هم فرسانُ الكلام وأربابُ هذا الشأن.
فجاء نطقه العجيب ، وأسلوبه الغريب مخالفاً لأساليب كلام العرب ومنهاج نظمها ونثرها الذي جاءت عليه ، ووقفت عليه مقاطع آياته ، وانتهت إليه فواصلُ كلماته ، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له.
قال ابن عطية: الصحيح والذي عليه الجمهور والحذاق فِي وجوه إعجازه أنه
بِنَظْمِهِ وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه ، وذلك أن الله أحاط بكل شيء
علماً ، وأحاط بالكلام كلِّه علماً ، فإذا ترتبَت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أيَّ لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره.
والبشَرُ محل الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورة أن أحدًا من البشر
لا يحيط بذلك ، فلذلك جاء نظمُ القرآن فِي الغاية القصوى من الفصاحة ، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان فِي قدرتها الإتيانُ بذلك ، فصُرِفوا عن ذلك.
والصحيح أنه لم يكن فِي قدرة أحد قط ، ولهذا ترى البليغ ينقّح القصيدة أو
الخطبة حَوْلاً ، ثم ينظر فيها ، ثم يغير فيها ، وهلمّ جرّا.