فهرس الكتاب
كلاًّ منهما نثر ، فليست مخالفته لهما فِي وضوحها لكل أحد كمخالفة الشعر ، وإنما تظهر بتدبر ما فِي القرآن من الفصاحة والبلاغة والبدائع والمعاني الأنيقة فحسن ختمه بقوله: قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) .
ومن بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين فِي موضعين والمحدَّث عنه واحد
لنكتة لطيفة ، كقوله تعالى فِي سورة إبراهيم: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(34) .
ثم قال فِي سورة النحل: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(18) .
قال ابن المنيِّر: كأنه يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت آخذها وأنا مُعْطيها ، فحصل لك عند أخذها وصفان: كونك ظلوما ، وكونك كفارا ، يعني لعدم وفائك بشكرها ، ولي عند إعطائها وصفان ، وهما أني غفور رحيم ، أقابل ظلمك بغفراني ، وكفرك برحمتي ، فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوقير ، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء.
وقال غيره: إنما خص سورة إبراهيم بوصف المنعم عليه ، وسورة النحل
بوصف النعم ، لأنه فِي سورة إبراهيم فِي مساق وصف الإنسان.
وفي سورة النحل فِي مساق صفات الله وإثبات ألوهيته.
ونظيره قوله فِي الجاثية: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ(15) .
وفي فصّلَت ختم بقوله: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(46) .
ونكتةُ ذلك أن قبل الآية الأولى: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) ، فناسب الختام بفاصلة البعث ، لأن
قبله وصفهم بإنكاره.
وأما الثانية فالختام بما فيها مناسب ، لأنه لا يضيّع عملاً صالحاً ولا يزيد على من عمل سيئا.