فهرس الكتاب
وكذا نقلت عن مصحف أبيّ ، وبها قرأ ابن شَنْبوذ ، وذكر فِي حكمته أنه لا يغفر لمن استحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه ، فهو العزيز أي الغالب
والحكيم هو الذي يضع الشيء فِي محله.
وقد يخفى وجهُ الحكمة على بعض الضعفاء
في بعض الأفعال فيتوهَّمُ أنه خارجِ عنها ، وليس كذلك ، فكان فِي الوصف
بالحكيم احتراس حكيم حسن ، وإنْ تغْفِرْ لهم مع استحقاقهم العذاب فلا يعترض عليك أحد فِي ذلك ، والحكمةُ فما فعلته.
ونظير ذلك فِي سورة التوبة قوله:(أولئك سيرحَمُهمُ الله إنَّ الله عزيز
حكيم).
وفي سورة الممتحنة: (واغفر لنَا رَبّنَا إنّك أنْتَ العزيزُ الحكيم) .
وفي النور: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ(10) .
فإن باديَ الرأي يقتضي تواب رحيم ، لأن الرحمة مناسبة للتوبة ، لكن عبّر به إشارة إلى فائدة مشروعية اللعان وحكمته ، وهي الستر عن هذه الفاحشة العظيمة.
ومن خفيِّ ذلك أيضاً قوله تعالى فِي سورة البقرة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(29) .
وفي آل عِمْران: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(29) .
فإن المتبادر إلى الذهن فِي آية البقرة الخَتْمُ بالقدرة ، وفي آل عمران الختم بالعلم.
والجواب أن آية البقرة لما تضمنت الإخبار عن خلق الأرض وما فيها على
حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم ، وخلق السماوات خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت ، والخالقُ على الوصف المذكور يجب أن يكون عالماً بما فعله كلياً وجزئياً ، جملاً ومفصّلاً - ناسب ختمها بصفة العلم.