وَمَضَرَّةُ الْخَمْرِ لَا يَجْهَلُهَا أَحَدٌ ، وَلِذَلِكَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَنْ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ وَمِنْهُمُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ ، قِيلَ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: أَلَا تَشْرَبُ الْخَمْرَ ؛ فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي حَرَارَتِكَ ؟ فَقَالَ: مَا أَنَا بِآخِذٍ جَهْلِي بِيَدِي فَأُدْخِلُهُ جَوْفِي ، وَلَا أَرْضَى أَنْ أُصْبِحَ سَيِّدَ الْقَوْمِ وَأُمْسِي سَفِيهَهُمْ .
وَأَطِبَّاءُ الْإِفْرِنْجِ وَعُلَمَاؤُهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ ضَرَرَ الْخَمْرِ ، وَكَذَلِكَ الْمَيْسِرُ - بِالْأَوْلَى - أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ، وَقَدْ أُلِّفَتْ جَمْعِيَّاتٌ فِي أُورُبَّا وَأَمْرِيكَا لِلسَّعْيِ فِي إِبْطَالِ الْمُسْكِرَاتِ ، فَهُمْ يَتَعَاهَدُونَ عَلَى عَدَمِ الشُّرْبِ ، وَعَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى ذَلِكَ وَالسَّعْيِ لَدَى الْحُكُومَاتِ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى بَائِعِي الْخُمُورِ . فَالْأَيَّامُ وَالْأَجْيَالُ كُلَّمَا تَقَدَّمَتْ وَارْتَقَتْ تُؤَيِّدُ قَوْلَ الْقُرْآنِ بِأَنَّ إِثْمَ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ، فَإِنَّ أَطِبَّاءَ هَذَا الْعَصْرِ يَصِفُونَ مِنْ مَضَرَّاتِ الْخَمْرِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَهُوَ مَا أَطْلَقَهُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ لِيَبْحَثُوا فِيهِ وَيَتَبَيَّنُوا صِدْقَهُ بِأَنْفُسِهِمْ; لِتَكُونَ عُقُولُهُمْ مُؤَيِّدَةً لِكِتَابِهِ بِوُجُوبِ اجْتِنَابِهِ .