هَذَا مَا كُنْتُ كَتَبْتُهُ وَنَشَرْتُهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ، ثُمَّ فَطِنْتُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ بَيَّنْتُهَا فِي الْمَنَارِ وَفِي التَّفْسِيرِ وَاسْتَدْلَلْتُ عَلَيْهَا بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَهِيَ أَنَّ مَا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ مِنَ النُّصُوصِ ظَنِّيَّةً غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ لَا يُجْعَلُ تَشْرِيعًا عَامًّا تُطَالَبُ بِهِ كُلُّ الْأُمَّةِ ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ بِاجْتِهَادِهِ ، فَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ الدَّلَالَةَ عَلَى تَحْرِيمِ شَيْءٍ امْتَنَعَ مِنْهُ ، وَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْهُ ذَلِكَ جَرَى فِيهِ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ . وَدَلَالَةُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى
تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ظَنِّيَّةٌ ، وَلِذَلِكَ عَمِلَ فِيهَا الصَّحَابَةُ بِاجْتِهَادِهِمْ - عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ - وَأَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، وَبَقِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدْعُو اللهَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْأُمَّةِ فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ سُورَةِ الْمَائِدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا ، فَتَرَكَ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ; لِأَنَّ دَلَالَتَهَا قَطْعِيَّةٌ لَا مِرَاءَ فِيهَا ، وَلَا سِيَّمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ الْمُؤَكَّدِ ، وَأَمَّا كَوْنُ إِثْمِ هَاتَيْنِ الْفِعْلَتَيْنِ; أَيْ: ضَرَرُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا مَعَ إِثْبَاتِ الْمَنَافِعِ لَهُمَا فَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ دَلَالَةٌ قَطْعِيَّةٌ .