قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم} : فيها قراءتان؛ إحداهما بنصب {تجارةً} ، و {حاضرةً} ؛ والثانية برفعهما؛ على الأول اسم {تكون} مستتر؛ والتقدير: إلا أن تكون الصفقة تجارة حاضرة؛ وجملة: {تديرونها} صفة ثانية لـ {تجارة} ؛ أما على قراءة الرفع فإن {تجارة} اسم {تكون} ؛ و {حاضرة} صفة؛ وجملة: {تديرونها} خبر {تكون} -
والتجارة هي كل صفقة يراد بها الربح؛ فتشمل البيع، والشراء، وعقود الإجارات؛ ولهذا سمى الله سبحانه وتعالى الإيمان، والجهاد في سبيله تجارة، كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} [الصف: 10] -
وأما قوله تعالى: {حاضرة} فهي ضد قوله تعالى: {إذا تداينتم بدين} ؛ فالحاضر ما سوى الدَّين -
وقوله تعالى: {تديرونها} أي تتعاطونها بينكم بحيث يأخذ هذا سلعته، والآخر يأخذ الثمن، وهكذا -
قوله تعالى: {فليس عليكم جناح} : الفاء عاطفة، أو للتفريع؛ يعني ففي هذه الحال ليس عليكم إثم في عدم كتابتها؛ والضمير في قوله تعالى: {تكتبوه} يعود على التجارة؛ فهذه التجارة المتداولة بين الناس ليس على الإنسان جناح إذا لم يكتبها؛ لأن الخطأ فيها، والنسيان بعيد؛ إذ إنها حاضرة تدار، ويتعاطاها الناس بخلاف المؤجلة -
قوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} أي باع بعضكم على بعض -
قوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} ؛ مأخوذة من: الإضرار؛ يحتمل أن تكون مبنية للفاعل؛ فيكون أصلها «يضارِر» بكسر الراء الأولى؛ أو للمفعول؛ فيكون أصلها «يضارَر» بفتحها؛ ويختلف إعراب {كاتب} ، و {شهيد} بحسب بناء الفعل؛ فإن كانت مبنية للفاعل فـ {كاتب} فاعل؛ وإن كانت للمفعول فـ {كاتب} نائب فاعل؛ وهذا من بلاغة القرآن تأتي الكلمة صالحة لوجهين لا ينافي أحدهما الآخر -
قوله تعالى: {وإن تفعلوا} أي يضار الكاتب، أو الشهيد - على الوجهين {فإنه} أي الفعل - وهو المضارة؛ {فسوق بكم} أي خروج بكم عن طاعة الله إلى معصيته؛ وأصل «الفسق» في اللغة الخروج؛ ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها -
قوله تعالى: {واتقوا الله} أي اتخذوا وقاية من عذاب الله؛ وذلك بفعل أوامره، واجتناب نواهيه -