[من روائع الأبحاث]
قال الراغب الأصفهاني:
(الباب الحادي والعشرون فيما يتعلق بالشرع من الأفعال)
للإنسان ضربان من الأحوال لا ينفك عنهما
ضرب لا يلحقه فيه محمدةٌ ولا مذمة ولا في جنسه تكليف وذلك شيئان، أحدهما أحوال ضرورية لا يمكنه أن يتفصي منها كنبض العرق والتنفس وما يجري مجراهما من الأحوال الضرورية.
والآخر ما يقع من الإنسان على سبيل السهو والخطأ وإن كان جنسه مقدوراً له وهو المذكور في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
وضرب تلحقه فيه المحمدة والمذمة وفي جنسه التكليف وذلك ثلاثة أشياء: أحدها الأفعال المختصة بالجوارح كالقيام والقعود والركوب والمشي والنظر وكل ما يحتاج إلى استعمال الأعضاء فيه. والثاني حفظ عوارض النفس كالشهوة والخوف واللذة والفرح والغضب والشوق والرحمة والغيرة وما أشبه ذلك.
والثالث ما يختص بالتمييز والعلم.
وكل واحد من هذه الثلاثة إما أن يحمد عليه الإنسان أو يذم. فحمده أن تكون أفعاله جميلة وعوارض نفسه مستقيمة وقلبه ذكياً حتى يعتقد الحق ويقوي على معرفته إذا ورد عليه. والمذمة تلحقه إن كانت على أضداد ذلك.
والعبادات بهذه الأشياء الثلاثة تختص.
ولله تعالى في كل فعل يتحراه الإنسان عبادة سواءٌ كان الفعل واجباً أو ندباً أو مباحاً، وتكون تلك العبادة مبينة أما ببديهة العقل أو بالكتاب أو بلسان النبي أو بإجماع الأمة أو بالاعتبارات والأقيسة المبنية على هذه الأصول بل ما من حكم إلا وكتاب الله ينطوي عليه كما قال الله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} . عرفه من عرفه وجهله من جهله.
وما من مباح إلا وإذا تعاطاه الإنسان على ما يقتضيه حكم الله تعالى كان الإنسان في تعاطيه عابداً لله مستحقاً لثوابه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعدٍ:"إنك لتؤجر في كل شيء حتى اللقمة تضعها في فيّ أمرأتك".
ومخاطبته لسعد بذلك لما عرف منه أنه يراعي في أفعاله حكم الله تعالى. وعلى هذا الوجه قال:"ما من غرس غرساً لم يأكل منه شيئاً إلا كان له صدقة". ومراعاة أمر الله في جميع الأمور دقيقها وجليلها مستحب للكافة وواجب على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى كل من تقرب منزلته من منزلته لقول الله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} . انتهى انتهى {تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، للراغب الأصفهاني} ...