رابعاً: فلما عجزوا فلم يأتوا بحديث مثلها ولا بعشر سور ، ولا بسورة
واحدة ، وبلغوا اليأس ، سجَّل عليهم هذا العجز ، وتحداهم فِي صورة ختمت
مراحل التحدى. وسجَّلت نهاية نتائج المباراة أو المناظرة فقال:(قُل لئِنِ
اجْتَمَعَت الإنسُ وَالجنُ عَلى أن يَأتُواْ بمثْل هَذَا القُرْآن لا يَأتُونَ
بِمِثْلِهِ وَلوْ كًانَ بَعْضُهُمْ لِبًعْضٍ ظهِيراً).
فهل مع هذا التحدى المستمر المثير ، يُصدق منصف أن القوم لم تكن لديهم
رغبة فِي المعارضة. وأن الله صرف عنهم دواعيها ؟
إن العكس هو الصحيح ، إن القرآن أثار فيهم تلك الدواعى. وهيج نفوسهم لها ليبذلوا أقصى ما عندهم فِي الإتيان بمثله. فلم يستطيعوا.
فلما عجزوا عن مجاراة القرآن فِي مجال البيان استبدلوا الطعون فيه
بالمحاكاة ، فمرة شِعر. ومرة سِحر يؤثر ...
لما لم تفد هذه الطعون استبدلوا بها السيف شهروه فِي وجه صاحب الدعوة
وأتباعه ، فأنزلوا بهم الأذى. وقعدوا لهم فِي كل طريق.
فلو كان القوم مسلوبي الدواعى فِي مجال البيان. لكانوا مسلوبى الدواعى
في مصاولة الأقران.
وهذا كاف فِي رد الشق الثاني من مدعاهم - أي مدعى أهل الصرفة - وإذا
بطل مدعاهم بشقيه. ثبت ما حاولوا نفيه به. وهو الإعجاز البياني الذي لم
يكن فِي مقدور العرب محاكاته مع الرغبة فيها وبقاؤهم على طبيعتهم من
المعارف والعلوم.
* دليل آخر فِي إبطال القول بالصرفة:
لم تترك الصرفة شيئاً ذا قيمة فيما سبق لنا من نقاش لها ، ومع هذا فإن
العلماء قد ردوها بدليل آخر حاصله كما يقول الباقلاني:"لو كان المعارضة"
ممكنة ، وإنما منع منها الصرفة ، لم يكن الكلام معجزاً ، وإنما يكون المنع معجزاً فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره فِي نفسه"."
وهذا رأى صائب ورد قاطع ، لأننا ما دمنا متفقين على أن القرآن معجز