ولم يؤمروا بالقضاء؛ ولكن لو فعل المحرم عالماً بتحريمه جاهلاً بما يترتب عليه لم يسقط عنه الإثم، ولا ما يترتب على فعله؛ مثل أن يجامع الصائم في نهار رمضان وهو يجب عليه الصوم عالماً بالتحريم - لكن لا يعلم أن عليه الكفارة: فإنه آثم، وتجب عليه الكفارة؛ لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، هلكت قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم» ؛ فألزمه النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة (2) ؛ لأنه كان عالماً بالحكم بدليل قوله: «هلكت» -
فإن قال قائل: «قد ذكرتم أن المأمور لا يسقط بالجهل والنسيان» ، فما الفائدة من عذره الجهل؟
فالجواب: أن الفائدة عدم المؤاخذة؛ لأنه لو فعل المأمور على وجه محرم يعلم به لكان آثماً؛ لأنه كالمستهزئ بالله عز وجل وآياته، حيث يعلم أن هذا محرم، فيتقرب به إلى الله -
11 -ومن فوائد الآية: أن فعل الإنسان واقع باختياره؛ لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ؛ فيكون فيها رد على الجبرية الذين يقولون: «إنه لا اختيار للعبد فيما فعل» ؛ وبيان
مذهبهم، والرد عليهم بالتفصيل مذكور في كتب العقائد -
12 -ومنها: أن النسيان وارد على البشر؛ والخطأ وارد على البشر؛ وجهه: قوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ، فقال الله تعالى: «قد فعلت» ؛ وهذا إقرار من الله سبحانه وتعالى على وقوع النسيان، والخطأ من البشر -
فإذا قال قائل: ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى يجعل البشر ينسى، ويخطئ؟
فالجواب: ليتبين للإنسان ضعفه، وقصوره: ضعفه في الإدراك، وضعفه في الإبقاء، وفي كل حال؛ وليتبين بذلك فضل الله عليه بالعلم، والذاكرة، وما أشبه ذلك؛ وليعرف الإنسان افتقاره إلى الله عز وجل في دعائه في رفع النسيان، والجهل عنه؛ فيلجأ إلى الله عز وجل، فيقول: «رب علمني ما جهلت، وذكرني ما نسيت» ، وما أشبه ذلك -
13 -ومن فوائد الآية: امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار التي حملها مَنْ قبلنا؛ لقوله تعالى: {ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} ، فقال الله تعالى: «قد فعلت» -