فهرس الكتاب
وَالْجَوَابُ: الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ الذَّوْقِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ إِحْسَاسَهُمْ بِذَلِكَ الْعَذَابِ فِي كُلِّ حَالٍ يَكُونُ كَإِحْسَاسِ الذَّائِقِ الْمَذُوقَ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ نُقْصَانٌ وَلَا زَوَالٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاحْتِرَاقِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا)
وَالْمُرَادُ مِنَ الْعَزِيزِ: الْقَادِرُ الْغَالِبُ، وَمِنَ الْحَكِيمِ: الَّذِي لَا يَفْعَلُ إِلَّا الصَّوَابَ، وَذِكْرُهُمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي الْقَلْبِ تَعَجُّبٌ مِنْ أَنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ بَقَاءُ الْإِنْسَانِ فِي النَّارِ الشَّدِيدَةِ أَبَدَ الْآبَادِ! فَقِيلَ: هَذَا لَيْسَ بِعَجِيبٍ مِنَ اللَّه، لِأَنَّهُ الْقَادِرُ الْغَالِبُ عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَةِ طَبِيعَةِ النَّارِ، وَيَقَعُ فِي الْقَلْبِ أَنَّهُ كَرِيمٌ رَحِيمٌ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِرَحْمَتِهِ تَعْذِيبُ هَذَا الشَّخْصِ الضَّعِيفِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ الْعَظِيمِ؟
فَقِيلَ: كَمَا أَنَّهُ رَحِيمٌ فَهُوَ أَيْضًا حَكِيمٌ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
فَإِنَّ نِظَامَ الْعَالَمِ لَا يَبْقَى إِلَّا بِتَهْدِيدِ الْعُصَاةِ، وَالتَّهْدِيدُ الصَّادِرُ مِنْهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالتَّحْقِيقِ صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنِ الْكَذِبِ، فثبت أن ذكر هاتين الكلمتين هاهنا في غاية الحسن.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...(59)
«فَإِنْ قِيلَ» : أَلَيْسَ أَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ هِيَ طَاعَةُ اللَّه، فَمَا مَعْنَى هَذَا الْعَطْفِ؟
قُلْنَا: قَالَ الْقَاضِي: الْفَائِدَةُ فِي ذَلِكَ بَيَانُ الدَّلَالَتَيْنِ، فَالْكِتَابُ يَدُلُّ عَلَى أَمْرِ اللَّه، ثُمَّ نَعْلَمُ مِنْهُ أَمْرَ الرَّسُولِ لَا مَحَالَةَ، وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَمْرِ الرَّسُولِ، ثُمَّ نَعْلَمُ مِنْهُ أمر اللَّه لا محالة، فثبت بما ذكرناه أَنَّ قَوْلَهُ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.