فهرس الكتاب
وَالْبُرْهَانُ هُوَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ بُرْهَانًا لِأَنَّ حِرْفَتَهُ إِقَامَةُ الْبُرْهَانِ عَلَى تَحْقِيقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ هُوَ الْقُرْآنُ، وَسَمَّاهُ نُورًا لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِوُقُوعِ نُورِ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ، وَلَمَّا قَرَّرَ عَلَى كُلِّ الْعَالَمِينَ كَوْنَ مُحَمَّدٍ رَسُولًا وَكَوْنَ الْقُرْآنِ كِتَابًا حَقًّا أَمَرَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَعَدَهُمْ عَلَيْهِ بِالثَّوَابِ فَقَالَ (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ) وَالْمُرَادُ آمَنُوا باللَّه فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَسْمَائِهِ، (وَاعْتَصَمُوا بِهِ) أَيْ باللَّه فِي أَنْ يُثَبِّتَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ وَيَصُونَهُمْ عَنْ نَزْغِ الشَّيْطَانِ (وَيُدْخِلَهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مستقيما) فَوَعَدَ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ وَالْهِدَايَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرَّحْمَةُ الْجَنَّةُ، وَالْفَضْلُ مَا يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ
(وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا) يُرِيدُ دِينًا مُسْتَقِيمًا.
وَأَقُولُ: الرَّحْمَةُ وَالْفَضْلُ مَحْمُولَانِ عَلَى مَا فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَأَمَّا الْهِدَايَةُ فَالْمُرَادُ مِنْهَا السَّعَادَاتُ الْحَاصِلَةُ بِتَجَلِّي أَنْوَارِ عَالِمِ الْقُدْسِ وَالْكِبْرِيَاءِ فِي الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ وَهَذَا هُوَ السَّعَادَةُ الرُّوحَانِيَّةُ، وَأَخَّرَ ذِكْرَهَا عَنِ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْبَهْجَةَ الرُّوحَانِيَّةَ أَشْرَفُ من اللذات الجسمانية.
(يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(176)
(يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)
فيه وجوه:
الأول: قال البصريون: المضاف هاهنا مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ: يُبَيِّنُ اللَّه لَكُمْ كَرَاهَةَ أَنْ تضلوا، إلا أنه حذف المضاف كقوله (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يُوسُفَ: 82]