فهرس الكتاب

الصفحة 620 من 922

وروينا في حديث وائلة بن الأسقع: الإيمان يزيد وينقص، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة ومن لا يحصى من التابعين، وقيل لأحمد بن حنبل رضي اللّه عنهما: ما معنى الاستثناء في الإيمان؟ قال: أليس الإيمان قولاً وعملاً؟ قيل: نعم، قال: فالتصديق بالقول والاستثناء بالعمل، وقال بعض العلماء: أقرب الناس من النفاق من يرى أنه منه بريء، وقال مرة: آمنهم له، وقال عمر مولى عفرة: أقرب الناس إلى النفاق الذي إذا زكّى بما ليس فيه ارتاح لذلك قلبه، وأبعد الناس منه من يتخوّف أنه لا ينجيه حقيقة ما هو فيه، وقال بشر بن الحرث: سكون القلب إلى قبول المدح أضرّ عليه من المعاصي، وكان سهل يقول: غفلة العالم السكون إلى الشيء، وغفلة الجاهل الافتخار بالشيء، والسكون عندهم من الدعوى، والدعوى من المعاصي، وقال حذيفة اليوم المنافقون أكثر منهم على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كانوا إذ ذاك يخفونه وهم اليوم يظهرونه، وقيل للحسن: إنّ قوماً يقولون لانفاق اليوم، فقال: يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطرقات، وعنه وعن غيره: لو نبت للمنافقين أذناب ما قدرنا أنّ نطأ على الأرض، وسمع ابن عمر رجلاً يطعن على الحجاج فقال: أرأيت لو كان حاضراً بين يديك أكنت تتكلم فيه بما تكلمت الآن؟ قال: لا، قال: كنا نعد هذا نفاقاً على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: من كان ذا لسانين في الدنيا جعل له لسانان من نار في الآخرة، وفي خبر آخر: شرّ الناس ذو الوجهين يأتي هولاء بوجه وهؤلاء بوجه، وقيل للحسن إنّ قوماً يقولون: لا نخاف النفاق، فقال: واللّه لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحبّ إليّ من تلاع الأرض ذهباً، وقال الحسن: إنّ من النفاق اختلاف اللسان والقلب والسرّ والعلانية والمدخل والمخرج، وقال رجل لحذيفة: إني أخاف أنْ أكون منافقاً، فقال: لو كنت منافقاً ما خفت أن تكون منافقاً، إنّ المنافق قد أمن النفاق لأن النفاق على ضربين؛ نفاق ينقل عن الملة وهو الشك في دين اللّه تعالى والردّ لشرع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، ونفاق لا ينقل عن الملة ولا يخرج عن الإسلام، ولكنه ينقص الإيمان ويذهب حقيقته، ويطفئ أنواره، ويحرم مزيده، ويحبط الأعمال، ويوجب المقت والإعراض؛ وهو الرياء والمداهنة والتصنّع للخلق والتزيّن بالحق وائتلاف الألسنة واختلاف القلوب وتفاوت القول والعمل ومخالفة الأمر إلى ما ينهي عنه واختلاف السرّ والعلانية وزيادة الظواهر على السرائر، وهذا المعنى من النفاق الذي خالفه السلف وكانوا منه على إشفاق، وكان سهل يقول: المرائي حقّاً الذي يحسن ظاهره، حتى لا تنكر العامة والعلماء من ظاهره شيئاً وباطنه خراب، وقد كان الحسن وأصحابه يسمون أهل البدع منافقين، وكان ابن سيرين وأصحابه يسمونهم خوارج، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين ومائة، وفي رواية خمسمائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، وقال مرة: ما منهم أحد يقول أنا على إيمان جبريل وميكائيل عليهما السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت