{يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} أي: يخرج كلّا منكم طفلا، فإذا كان الواحد هو المأمور بذلك فلا يصحّ أن يقال: إنّه لا يكون لصاحب المثنى ثلاث، لأنّ صاحب المثنى هو صاحب الثلاث والرباع.
هذا ما ذكره شيخنا الإمام العلامة ابن برّي، رحمه الله.
وأمّا ما ذكره الزمخشريّ في الكشاف فهو أنّه قال: اعلم أنّ معنى التكرير في قوله سبحانه: {مَثْنى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} أنّ الخطاب للجميع يوجب التكرير ليصيب كلّ ناكح يريد الجمع ما أراد من العدد الذي أطلقه، كما تقول للجماعة: اقتسموا هذا المال، وهو ألف درهم: درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. ولو أفردت لم يكن له معنى، وجاء العطف بالواو دون (أو) ، كما جاء بالواو في المثال الذي ذكرته لك. ولو ذهبت تقول: اقتسموا هذا المال درهمين درهمين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة علمت أنه لا يسوغ لهم إلّا أن يقتسموا على أحد أنواع هذه القسمة.
وليس لهم أن يجمعوا بينها فيجعلوا بعض القسم على تثنية وبعضه على تثليث وبعضه على تربيع ولذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة التي دلّت عليها الواو. وتحريره أنّ الواو دلّت على إطلاق أن يأخذ الناكحون من أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع، إن شاءوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاءوا متفقين فيها محظورا عليهم ما وراء ذلك.
هذا ما ذكره الزمخشريّ.
وقد وهم بعض الناس في تأويل هذه الآية فجعله دليلا على جواز التزويج بتسع نسوة على الجمع، وأجراه مجرى اثنين وثلاثة وأربعة، وليس كذلك، لأنّ المعنى:
فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين اثنتين، وإن شئتم ثلاثا ثلاثا، وإن شئتم أربعا أربعا.
ولو كان هذا محمولا على ظاهره لقيل: تسع، عوض من ثلاثة أشياء، لأنّ الإيجاز تقليل الكلام من غير إخلال، وإذا كان المعنى يمكن أن يعبّر عنه بألفاظ قليلة، ويعبّر عنه بألفاظ كثيرة، فالألفاظ القليلة إيجاز، فقول القائل: لي عند زيد عشرة، أوجز وأخصر من قوله: لي عنده خمسة وثلاثة واثنان، في موضع: لي عنده عشرة.
وبلاغة القرآن أعلى طبقات البلاغة إذ هو معجز.