فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 136

منحه وَبَارك لنا فِي حَيَاته وبقائه وَصِحَّة مُعَامَلَته ومعونته فَانْظُر أَيهَا اللبيب الفطن إِلَيْهَا نظر المتناصف وَلَا تعدل عَن هَذَا الشَّرْح إِلَى سواهُ لِئَلَّا يفتح عَلَيْك بَاب من الْفساد وَلَا يمكنك سَده فَإِنَّهُ إِذا جوزت عَلَيْهِ الْمعْصِيَة الْمنْهِي عَنْهَا شرعا جَازَت على من بعده من الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام وَإِذا لم تجز عَلَيْهِ فأحرى أَلا تجوز على من بعده مِنْهُم لكَوْنهم لم يذكر لوَاحِد مِنْهُم مَعْصِيّة فِي الْكتاب وَلَا فِي السّنة ضمنا وَلَا تَصْرِيحًا وَلَا يجوز وُقُوعهَا عَلَيْهِم كَمَا قدمْنَاهُ

ثمَّ إِن الله تَعَالَى لطف بِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام فِي أكله من الشَّجَرَة بعد النَّهْي عَنْهَا من سِتَّة أوجه

أَحدهَا أَنه لما اسجد لَهُ مَلَائكَته على جلالة قدرهم وصيره قبْلَة لَهُم ومعلما لطف بِقَلْبِه أَلا تخطر بِهِ لفتة عجب فامتحنه بِأَكْل الشَّجَرَة فَلَمَّا أكل مِنْهَا عوتب عَلَيْهَا فتواضع

الثَّانِي أَنه كَانَ منبسطا فَلَمَّا أكل مِنْهَا انقبض فَسلم من وهلات الْبسط لِأَن الله تَعَالَى لَا يُعَامل إِلَّا بالخوف وَالْقَبْض

الثَّالِث أَنه امتحن التَّكْلِيف وكد الْمَعيشَة فِي الدُّنْيَا ليحصل لَهُ مقَام الصَّبْر

الرَّابِع أَنه رزق من طَيّبَات ثمراتها ليلتذ بهَا فيشكر نعم الله تَعَالَى عَلَيْهِ فَيجمع بَين الصَّبْر وَالشُّكْر

فَإِن قيل فقد كَانَ يتنعم فِي الْجنَّة بِأَكْثَرَ مِمَّا يتنعم فِي الدُّنْيَا؟

قُلْنَا كَانَ يتنعم من غير تَعب سَابق ونعيمه فِي الدُّنْيَا ممزوج بالمشقة والتنعم بعد الْمَشَقَّة يُؤَكد خَالص الشُّكْر وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لم يُكَلف فِي الْجنَّة كَمَا تقدم فَمَا كَانَ يُؤجر على شكر لَو وَقع مِنْهُ

الْخَامِس أَنه لما خرج من دَار التنعم والدعة إِلَى دَار الْمَشَقَّة

والتكليف صحت لَهُ الْمُعَامَلَة بِالْكَسْبِ والدرجات بِالطَّاعَةِ وميزان الْجنَّة بِالْعَمَلِ

السَّادِس أَن تحصل لَهُ أجور مَا ينتهك بعض ذُريَّته من حُرْمَة عرضه فِي هَذِه الْقِصَّة فَإِنَّهُم يغتابونه فِي اقتفاء مَا لَيْسَ لَهُم بِهِ علم وَكفى بِالْمَرْءِ عقوقا أَن ينتهك عرض أَبِيه

فَهَذِهِ رَحِمك الله سِتَّة ألطاف بِهِ فِي ضمن كل لطف مِنْهَا مقَام كريم لآدَم عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا قيل

(لَعَلَّ عتبك مَحْمُود عواقبه ... فَرُبمَا صحت الْأَجْسَام بالعلل)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت