فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 136

{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) }

(شرح قصَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام)

بِمَا تَقْتَضِيه الْآيَات الثَّلَاث

إِحْدَاهَا فِي استدلاله بِالثَّلَاثَةِ الْكَوَاكِب

الثَّانِيَة فِي الْأَقْوَال الثَّلَاثَة الَّتِي قَالَ إِنَّهَا كذبات

الثَّالِثَة فِي قَوْله {رب أَرِنِي كَيفَ تحي الْمَوْتَى}

فمما تخيلوه فِي استدلاله بالكواكب أَنهم زَعَمُوا أَن أمه فرت بِهِ صَغِيرا إِلَى مغارة خوفًا من النمرود فَإِنَّهُ كَانَ يذبح أَبنَاء العماليق ويستحيي نِسَاءَهُمْ خيفة على خراب ملكه على يَد مَوْلُود فيهم كَمَا كَانَ يفعل فِرْعَوْن ببني إِسْرَائِيل خيفة من خراب ملكه على يَد مَوْلُود مِنْهُم

فألقته فِي المغارة وَكَانَت تخْتَلف إِلَيْهِ فترضعه فِيهَا وَكَانَ يشق عَلَيْهَا ذَلِك خيفة من أَن يظْهر أمرهَا مَعَه لقومها بالتكرار إِلَيْهِ إِلَى أَن جَاءَت يَوْمًا فَوَجَدته يرضع ظَبْيَة فطابت نَفسهَا وَعلمت أَنه مَحْفُوظ فتركته وَلم تعد إِلَيْهِ فَبَقيَ كَذَلِك حَتَّى حصل فِي حد من يعقل فَخرج لَيْلًا من المغارة ليطلب الْعلم بصانعه ومعبوده فَرَأى كوكبا وقادا فَقَالَ هَذَا رَبِّي إِلَى آخر مَا قَالَ

فَأَما قَوْلهم فِي قصَّة المغارة والظبية فَهُوَ قَلِيل فِي كرامته وَجَائِز عَلَيْهِ

وَأما قَوْلهم نظر فِي الْكَوْكَب فَقَالَ هَذَا رَبِّي مُعْتَقدًا لذَلِك فَبَاطِل فَإِن هَذَا القَوْل كفر صراح وَمَا كفر نَبِي قطّ وَلَا سجد لوثن قبل النُّبُوَّة وَلَا بعْدهَا

وَلَا تفوه أحد من الْأمة بذلك قطّ كَانَ محقا أَو غير محق

جَاءَ فِي الْأَثر فِي خُرُوج نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَغِيرا مَعَ عَمه أبي طَالب إِلَى الشَّام أَنه لما مر بصومعة بحيرا الراهب نزل إِلَيْهِ فِي حَدِيث يطول ذكره إِلَى أَن قَالَ لَهُ بِاللات والعزى يَا غُلَام مَا اسْمك

فَقَالَ لَهُ إِلَيْك عني فوَاللَّه مَا تَكَلَّمت الْعَرَب بِكَلِمَة هِيَ أثقل عَليّ من هَذِه الْكَلِمَة

فحاشا لأنبياء الله تَعَالَى من اعْتِقَاد الْكفْر فِي وَقت من الْأَوْقَات

وَكَيف وَقد جَاءَ فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذْ كَانَ غُلَاما كَانَ يَوْمًا ينْقل الْحِجَارَة مَعَ عَمه أبي طَالب لإِصْلَاح مَا ثلم فِي الْكَعْبَة وَهُوَ عَار فَسقط على وَجهه فِي الأَرْض مغشيا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ لَهُ عَمه مَا بالك فَقَالَ رَأَيْت شخصا أَشَارَ إِلَيّ أَن استتر وَكَانَ ذَلِك الشَّخْص الْملك فَهَذَا صَغِير ينبهه الْملك على أدب من آدَاب الشَّرِيعَة قبل التَّكْلِيف فَمَا ظَنك بحمايتهم من الْكفْر على أَن مِنْهُم من أُوتِيَ الحكم صَبيا كيحيى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ تَعَالَى {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبيا} وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام تكلم فِي المهد صَبيا بالحكمة حَيْثُ قَالَ {إِنِّي عبد الله} الْآيَة والذبيح أُوتِيَ الْعلم والحلم غُلَاما قَالَ {وبشروه بِغُلَام عليم} وَفِي آيَة أُخْرَى {حَلِيم}

فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَصح من أَحْوَالهم ويعتقد فِي جانبهم الْكَرِيم

وَإِذا كَانَ هَذَا شَأْنهمْ فِي حَال الطفولية فَمَا ظَنك بهم فِي حَال الْإِدْرَاك وَكَمَال الْعقل

فحاشاهم أَن يكفروا اعتقادا أَو يتلفظوا بِكَلِمَة كفر كَانُوا صغَارًا أَو كبارًا

فَإِن قيل فَمن أَيْن عرفُوا الله تَعَالَى قبل النُّبُوَّة

فَنَقُول بِالنّظرِ وَالِاسْتِدْلَال

فَإِن قيل فقد كَانُوا زمن النّظر غير عَالمين بِاللَّه تَعَالَى

قُلْنَا كَذَلِك هُوَ لَكِن مَا دَامَ الْمحل معمورا بِالنّظرِ لم يحكم لَهُ بِكفْر وَلَا بِإِيمَان إِلَّا أَنه كَانَ آخر نظرهم مُتَّصِلا بِالْعلمِ فَفِي أثر مَا نظرُوا عرفُوا الْحق حَقًا من غير أَن يعتقدوا جهلا أَو يتلفظوا بِكَلِمَة كفر

وَمن النَّاس من قَالَ إِنَّهُم علمُوا خالقهم بعلوم ضَرُورِيَّة على جِهَة الْخرق وَالْإِكْرَام لَهُم

وَهَذَا سَائِغ فِي الْمَقْدُور لَائِق بهم إِلَّا أَنهم يفوتهُمْ فِي ذَلِك أجر الْكسْب إِذْ {لَيْسَ للْإنْسَان إِلَّا مَا سعى}

وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّهُم اكتسبوا الْعلم من غير تقدم نظر على جِهَة الْخرق إِكْرَاما من الله تَعَالَى لَهُم وَالله أعلم

وَلَهُم فِي هَذَا كَلَام لَا تحْتَمل هَذِه التَّعَالِيق بَسطه لكِنهمْ مجمعون على أَنهم علمُوا من أول وهلة على أَي وَجه علمُوا نظرا أَو ضَرُورَة.

(فصل)

وَأول مَا يَنْبَغِي أَن نقدم قبل الْخَوْض فِي هَذِه الْمسَائِل الْإِعْلَام بِأَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ نَبِي الْحجَّة وَهُوَ أول من أصل أصُول الدّين بالاستدلال على علم التَّوْحِيد وَبِه اقْتدى رُؤَسَاء الْمُتَكَلِّمين فِي استدلاله بِالثَّلَاثَةِ الْكَوَاكِب الَّتِي وَردت فِي الْكتاب كَمَا سَيَأْتِي فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى

قَالَ تَعَالَى {وَتلك حجتنا آتيناها إِبْرَاهِيم على قومه نرفع دَرَجَات من نشَاء إِن رَبك حَكِيم عليم}

نرفع دَرَجَات من نشَاء أَي بِالْحجَّةِ الْبَالِغَة والعلوم الْعَالِيَة فَكَانَ قومه حرانيين ينظرُونَ فِي النُّجُوم ويردون لَهَا الْقَضَاء فِي الْأَفْعَال ويعبدون بَعْضهَا فَكَانَ هُوَ يقْصد الِاحْتِجَاج عَلَيْهِم فِي حدوثها بتغيرها وتبدل أحوالها فَخرج مَعَ أهل الرصد لَيْلًا لينبههم على حدوثها بتغيرها مَعَ تَسْلِيم مَذْهَبهم الْفَاسِد لَهُم جدلا وقصده مُقَابلَة الْفَاسِد بالفاسد فَإِنَّهُ من وُجُوه النّظر وَالْأَظْهَر فِي طَريقَة التَّنْبِيه على الْحُدُوث الِاسْتِدْلَال بالأكوان فَإِن الْحَرَكَة يعلم حدوثها ضَرُورَة لكَونهَا تقطع الحيز بعد الحيز بحركة بعد حَرَكَة فَمن رأى سَاكِنا يَتَحَرَّك ضَرُورَة علم تغيره ضَرُورَة فَنظر عَلَيْهِ السَّلَام فَرَأى كوكبا فَقَالَ لِقَوْمِهِ {هَذَا رَبِّي} يَعْنِي على ظنكم وحسابكم فَفَرِحُوا بقوله وظنوا أَنه رَجَعَ إِلَى مَذْهَبهم فَلَمَّا أفل رَجَعَ لَهُم عَن قَوْله الأول بقوله {لَا أحب الآفلين}

فَعَلمُوا إِذْ ذَاك أَنه رَجَعَ عَن مَذْهَبهم بِحجَّة بَالِغَة وَالدَّلِيل على صِحَة مَا

رمناه مِنْهُ أَنه قَالَ {هَذَا رَبِّي} على جِهَة التعنيت لَهُم وإقامته الْحجَّة عَلَيْهِم لَعَلَّهُم يتفطنون ويتعلمون من وُجُوه الِاسْتِدْلَال

وَيتَصَوَّر الرَّد فِيهِ على الْقَائِلين بِأَنَّهُ اسْتدلَّ وَغلط وتحير من ثَلَاثَة أوجه

أَحدهَا أَنه لَو قَالَ {هَذَا رَبِّي} على جِهَة الِاعْتِقَاد والتصميم لَكَانَ كَافِرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَى حِين غرُوب الْكَوْكَب وَكَذَلِكَ يلْزم فِي قَوْله فِي الْقَمَر وَالشَّمْس وَمن اعْتقد هَذَا فقد أعظم عَلَيْهِ الْفِرْيَة ورد مَا علم من دين الْأمة فِي أَن نَبيا مَا كفر قطّ عقدا وَلَا لفظا كَمَا تقدم وغايته أَن لَو كَانَ مَا زعموه لتوقف على دؤوب النّظر حَتَّى يعلم الْحق حَقًا لكَون النَّاظر فِي حَال نظره لَا يحكم لَهُ بِكفْر وَلَا بِإِيمَان كَمَا تقدم

الثَّانِي أَنه لَو كَانَ يثبت إلهية الْكَوْكَب عِنْد الطُّلُوع من أجل ظُهُوره وينفيها عِنْد الْغُرُوب من أجل غروبه لقامت عَلَيْهِ حجَّة الْخصم بِأَن يَقُول لَهُ إِذا أثبت إلهيته الْكَوْكَب عِنْد الطُّلُوع ونفيتها عِنْد الْغُرُوب فالكوكب يسري على مَا هُوَ بِهِ وَإِنَّمَا غَابَ عَنْك وسيطلع غَدا وَيظْهر لَك فيلزمك أَن تثبت الآلهية لَهُ عِنْد كل طُلُوع وتنفيها عِنْد كل غرُوب وَهَذَا تنَاقض بَين مَعَ تَسَاوِي الْغُرُوب والطلوع لَهُ فِي التَّغَيُّر

الثَّالِث أَن الْكَوَاكِب لَا تكَاد تعد كَثْرَة فَمن أَيْن لَهُ أَن يعين أَحدهَا بالإلهية مَعَ التَّسَاوِي بَينهمَا فِي كل حَال

فَإِن قَالُوا إِن الْكَوْكَب كَانَ من الدراري السَّبْعَة الَّتِي يعْتَقد قومه فِيهَا الآلهية قبل

قيل لَهُم هَذَا بَاطِل من أَرْبَعَة أوجه

أَحدهَا أَنكُمْ قُلْتُمْ إِنَّه عِنْدَمَا خرج فِي حَال صغره من المغارة رأى أول كَوْكَب فَقَالَ هَذَا رَبِّي فَهُوَ على قَوْلكُم لم يعلم الدراري من غَيرهَا رُؤْيَة وَلَا سَمَاعا لكَونه لم ير أحدا يُخبرهُ بذلك

الثَّانِي أَنه لَو كَانَ يقْصد أحد الدراري لعلمه بِأَن قومه عبدوها وخصصوها بالآلهية فَيَقُول {هَذَا رَبِّي} مُعْتَقدًا لذَلِك لَكَانَ مُقَلدًا لِقَوْمِهِ فِي الْكفْر لكَونه مَا عِنْده إِلَّا مَا سمع مِنْهُم بِأَنَّهَا آلِهَة وَهَذَا أَشد عَلَيْهِم فِي الْإِنْكَار من كل مَا تخيلوه

الثَّالِث أَن الطُّلُوع والغروب فِي التَّغَيُّر والحركات على سَوَاء فِي الِاسْتِدْلَال على الْحُدُوث فَلم اسْتدلَّ بِأَحَدِهِمَا على نفي الآلهية وأثبتها للثَّانِي

الرَّابِع أَنه قَالَ فِي الشَّمْس وَالْقَمَر مَا قَالَه فِي الْكَوْكَب فَصَارَ ينْقل الآلهية من جسم إِلَى جسم وَالْكل فِي حَالَة الطُّلُوع والغروب على سَوَاء وَهَذِه غَايَة الْجَهْل الَّذِي يحاشى الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَنهُ قطعا

فَإِن قَالُوا لما رأى الْقَمَر ظن أَنه لَا يغرب فَقَالَ ذَلِك قُلْنَا هَذَا بَاطِل فَإِنَّهُ قد جرب الْكَوْكَب وطلوعه وغروبه ثمَّ رأى الْقَمَر طالعا كَالْكَوْكَبِ فَلَو كَانَ مَا زعمتم لتوقف عَن هَذَا القَوْل حَتَّى يرى هَل يغرب أم لَا يغرب وَأما قَوْله فِي الشَّمْس فَيجب أَن يتَأَكَّد الْإِنْكَار عَلَيْهِ لتأكد تكْرَار التجربة مِنْهُ فِي الْكَوَاكِب وَالْقَمَر

وَهَذِه الْأَقْوَال كلهَا لَو قدرت لأحد منا لأنكرها كل الْإِنْكَار فَإِن فِيهَا غَايَة الْحيرَة وَعدم الِاسْتِدْلَال فَكيف تثبت لخليل الرَّحْمَن الَّذِي أرَاهُ ملكوت السَّمَوَات وَالْأَرْض حَتَّى كَانَ يرى وَيسمع صريف الْقَلَم فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَكَانَ يسمع خفقات قلبه من خشيَة الله على فَرسَخ فَإِذا بطلت فِي حَقه بل فِي حق الْعُقَلَاء المستدلين هَذِه الْأَقْوَال لم يبْق إِلَّا أَنه قَالَهَا بَاب مُقَابلَة الْفَاسِد بالفاسد ليقيم الْحجَّة على قومه فِي التَّغَيُّر بالأكوان الدَّالَّة على الْحُدُوث ويعضد ذَلِك قَوْله لَهُم فِي الشَّمْس {هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر} يَعْنِي أكبر جرما وأبهر ضِيَاء وأنفع لأهل الأَرْض من كل مَا دونهَا من الْكَوَاكِب وَهِي تَتَغَيَّر كتغيرها وَلَيْسَ بعْدهَا مَا ينْتَظر يَا قوم إِنِّي بَرِيء مِمَّا تشركون الْآيَات إِلَى قَوْله {وحاجه قومه قَالَ أتحاجوني فِي الله وَقد هدان} الْآيَة والبارئ تَعَالَى يخبر أَنه نَادَى قومه وناجاهم وحاجوه وحاجهم ورد عَلَيْهِم وهم يَقُولُونَ إِنَّه خرج من المغارة وَحده وَاسْتدلَّ وَغلط وتحير وَقَالَ هَذَا رَبِّي فِي الْكَوَاكِب الثَّلَاثَة فَلَو كَانَ صَغِيرا كَمَا زَعَمُوا لم يكن لَهُ قوم يناديهم ويحاجهم ويحاجونه وَلَو كَانَ أَيْضا لم ير الْكَوَاكِب إِلَّا تِلْكَ اللَّيْلَة كَمَا زَعَمُوا لم يقل فِي الشَّمْس على الْإِطْلَاق {هَذَا رَبِّي هَذَا أكبر} مَعَ تَجْوِيز طُلُوع أكبر مِنْهَا فلولا مَا رأى الْكَوَاكِب قبل ذَلِك لم يقل هَذَا أكبر

وَهَذَا جَزَاء من يتَكَلَّم فِي أُمُور الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم السَّلَام قبل أَن يتمرن فِي علم مَا يجب لَهُم ويستحيل عَلَيْهِم

(فصل)

فَإِن قَالُوا فَإِذا زعمت أَنه قَالَ لِقَوْمِهِ هَذَا يَعْنِي ثَلَاث مَرَّات مُعْتَرضًا ومنبها ليقيم الْحجَّة عَلَيْهِم وَهُوَ يعْتَقد خلاف مَا يَقُول فَلم لم يعد هَذِه الْأَقْوَال فِي الكذبات الَّتِي يعْتَذر بهَا فِي الْمَحْشَر حِين يُطَالب بالشفاعة فَيَقُول كذبت فِي الْإِسْلَام ثَلَاث كذبات وَهِي بِالْإِضَافَة إِلَى هَذِه الثَّلَاث سِتّ وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيث أَن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام لم يكذب إِلَّا ثَلَاث كذبات وَمَا مِنْهَا كذبة إِلَّا وَهُوَ يماحل بهَا عَن الْإِسْلَام أَي يدافع فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة أوجه

أَحدهَا ان الثَّلَاث الكذبات الَّتِي عَددهَا على أوجه مُخْتَلفَة فإحداها أَنه لما دَعوه لِلْخُرُوجِ مَعَهم لمهرجانهم فِي سدفة السحر وَفِي باله أَن يكيد أصنامهم بعد خُرُوجهمْ كَمَا أخْبرهُم حِين قَالَ {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أَن توَلّوا مُدبرين} فَنظر إِلَى النُّجُوم ليقيم عذره عِنْدهم على زعمهم لكَوْنهم يَقُولُونَ بِالْقضَاءِ فِي النُّجُوم {فَقَالَ إِنِّي سقيم} فاعتقدوا أَنه رأى فِي النُّجُوم أَسبَاب الْمَرَض فرضوا عَنهُ بذلك وتركوه

وَهَذَا من النمط الَّذِي قدمْنَاهُ فِي الْكَوَاكِب الثَّلَاثَة أَن أَقْوَاله فِيهَا إِنَّمَا كَانَت على جِهَة الْإِبْهَام عَلَيْهِم والتنبيه لَهُم لَعَلَّهُم يتفطنون فِي ثَانِي حَال

الثَّانِيَة قَوْله بَعْدَمَا صير أصنامهم جذاذا حِين سَأَلُوهُ {من فعل هَذَا بآلهتنا} فَقَالَ {بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا} وَأَشَارَ إِلَى كَبِير الْأَصْنَام وَهُوَ قد شوه صورته وسمل عَيْنَيْهِ وجدع أَنفه ومقطوع بِهِ أَنه قَالَ ذَلِك ليقيم الْحجَّة عَلَيْهِم فِي نفي الإلهية عَمَّا اعتقدوه من الْكَوَاكِب والأصنام فَصَارَت هَذِه القولة فِي مَعْنَاهَا تشبه تِلْكَ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة فِي الْكَوَاكِب فَلَمَّا كَانَت الْأَقْوَال مَعَ قَوْله فِي الصَّنَم على وَجه وَاحِد من إِقَامَة الْحجَّة على مَذْهَب الْخصم ومقابلة الْفَاسِد بالفاسد صَارَت كالواحدة فِي الْمَعْنى ثمَّ أضَاف لَهَا القولتين المختلفتين فِي النّظر فِي النُّجُوم وَقَوله فِي أَهله للْملك الْجَبَّار هِيَ أُخْتِي فَصَارَت ثَلَاثًا

وَأما الثَّالِثَة الَّتِي هِيَ قَوْله للْملك الَّذِي أَرَادَ أَن يَأْخُذ مِنْهُ أَهله عنْوَة فَسَأَلَهُ مَا هَذِه الَّتِي مَعَك فَقَالَ هِيَ أُخْتِي فَكَانَ قَوْله ذَلِك طَمَعا فِي تَخْلِيصهَا مِنْهُ بِهَذِهِ القولة ليقيم عذره عِنْد الْملك لكَون الْغيرَة على الْأُخْت آكِد مِنْهَا على الزَّوْج فَقَالَ لَهُ ذَلِك لَعَلَّه يَتْرُكهَا لَهُ كَالَّذي فعل فَلَو قَالَ هِيَ زَوْجَتي فَرُبمَا كَانَ يَقُول لَهُ انْزِلْ لي عَنْهَا أتملكها على الْوَجْه الَّذِي كَانَت عنْدك فَلَمَّا كَانَت القولتان تخَالف الْوَاحِدَة الَّتِي اتّحدت مَعَ الثَّلَاث فِي إِقَامَة الْحجَّة على الْخُصُوم بعد تَسْلِيم مَذْهَبهم لَهُم جدلا عد الْكل ثَلَاثًا لِاتِّحَاد الْأَرْبَعَة الْأَقْوَال فِي الْمَعْنى

الْوَجْه الثَّانِي أَن تكون القولات الثَّلَاث فِي الْكَوَاكِب الَّتِي لم يعدها من الكذبات بِأَمْر من الله تَعَالَى أَمر أَن يَقُولهَا فَقَالَهَا وَلم يعدها كذبات لكَونه مَأْمُورا بهَا وَتلك الثَّلَاث الَّتِي عدهَا كَانَت عَن نظره واجتهاده فأبهمها بِأَن رأى أَن السُّكُوت عَنْهَا كَانَ لَهُ أولى على مَا قدمْنَاهُ فِي حَقهم من مُرَاعَاة الأولى

وَإِذا كَانَت الثَّلَاث الْأُخَر بِأَمْر الله تَعَالَى لَهُ فَلَا حرج فِيهَا لكَونه مَأْمُورا بهَا فَتخرج لَهُ مخرج قَول الْملَك لداوود عَلَيْهِ السَّلَام {إِن هَذَا أخي} وَلم يكن أَخَاهُ حَقِيقَة وَقَوله {لَهُ تسع وَتسْعُونَ نعجة} وَلم يكن لَهُ نعاج إِلَى آخر مَا قَالَه

وَقَول يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام لإخوته {إِنَّكُم لسارقون} كَمَا قدمْنَاهُ حرفا بِحرف

وَالْأَظْهَر من الْوَجْهَيْنِ الْأَخير مِنْهُمَا وَدَلِيلنَا عَلَيْهِ أَن السِّتَّة الْأَلْفَاظ فِي التَّلَفُّظ بِخِلَاف المعتقد على سَوَاء

فَذكر الثَّلَاث والإعراض عَن ذكر الثَّلَاث الْأُخَر مَعَ ورعه عَلَيْهِ السَّلَام وَشدَّة مراقبته دَلِيل على أَن الَّتِي أعرض عَن ذكرهَا كَانَت بِأَمْر الله تَعَالَى

الثَّالِث مَا جَاءَ فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (لم يكذب إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْإِسْلَام إِلَّا ثَلَاث كذبات كلهَا مَا حل بهَا عَن دين الله قَوْله فِي الْكَوْكَب {هَذَا رَبِّي} وَقَوله فِي سارة هِيَ أُخْتِي وَقَوله فِي الْأَوْثَان {بل فعله كَبِيرهمْ هَذَا}

فقد فَسرهَا عَلَيْهِ السَّلَام حِين عدهَا ثَلَاثًا فَصَارَت الثَّلَاثَة القولات فِي الْكَوَاكِب كالواحد فِي الْعدَد لكَونهَا متحدة فِي الْمَعْنى وانضافت إِلَيْهَا قولته عَن سارة وقولته عَن الْأَوْثَان فَصَارَت ثَلَاثًا

وَتَكون قولته {إِنِّي سقيم} حَقِيقَة وَتَكون النُّجُوم هُنَا مَا ينجم لَهُ من تفاصيل أَحْوَاله أَي يظْهر لَهُ ويعضد هَذَا الْخَبَر مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه قَالَ فِي الْكَوَاكِب مَا لم يَعْتَقِدهُ دينا كَمَا زعم الجهلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت