فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 136

(فصل)

فِي شرح مَا جَاءَ فِي الْكتاب من دُعَائِهِ على قومه وامتناعه الشَّفَاعَة الْكُبْرَى فِي الْآخِرَة من أَجله

وَأما قصَّته عَلَيْهِ السَّلَام فِي دُعَائِهِ على قومه حِين قَالَ {رب لَا تذر على الأَرْض من الْكَافرين ديارًا} فَأَجَابَهُ ربه فيهم فجَاء فِي الْخَبَر أَنه احْتمل أذايتهم ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما كَمَا أخبر تَعَالَى وَهُوَ يَقُول مَعَ ذَلِك رب اهد قومِي فَإِنَّهُم لَا يعلمُونَ فَبينا هُوَ ساجد يَوْمًا إِذْ مر بِهِ رجل من كفار قومه وعَلى عُنُقه حفيد لَهُ فَقَالَ الْجد للحفيد يَا بني هَذَا هُوَ الشَّيْخ الْكذَّاب الَّذِي دَعَانَا إِلَى عبَادَة رب لَا نعرفه وأوعدنا وعيدا بِلَا أمد فتحفظ مِنْهُ لِئَلَّا يضلك فَقَالَ الْحَفِيد لَهُ إِذا كَانَ على هَذِه الْحَالة فَلم تَرَكْتُمُوهُ حَيا إِلَى الْآن فَقَالَ لَهُ الْجد وَمَا كُنَّا نصْنَع بِهِ فَقَالَ أنزلني حَتَّى ترى مَا أصنع بِهِ فأنزله فَأخذ صَخْرَة فصبها على رَأسه فتلقفها الْملك وَقيل شج رَأسه فَلَمَّا سمع نوح عَلَيْهِ السَّلَام قَوْله وَرَأى فعله علم إِذْ ذَاك أَن الْحَفِيد أطغى من الْجد فَدَعَا فِي تِلْكَ السَّجْدَة فَكَانَ مَا كَانَ ثمَّ نَدم على دُعَائِهِ حَتَّى إِذا سُئِلَ الشَّفَاعَة فِي الْآخِرَة امْتنع مِنْهَا وَاعْتذر بِأَنَّهُ دَعَا على قومه بالإهلاك

وَمَعْلُوم أَن دُعَاء الْمُؤمن على الْكَافِر مُبَاح لَا ذَنْب فِيهِ صَغِيرا وَلَا كَبِيرا

لَا سِيمَا بَعْدَمَا قيل لَهُ {أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن} فَلَمَّا قطع بكفرهم دَعَا عَلَيْهِم

وَإِذا كَانَ الدُّعَاء على الْكَفَرَة على الْإِطْلَاق مُبَاحا كَانَ أَحْرَى إِذا وَقع الْقطع على كفرهم بالْخبر الصدْق

وَقد دَعَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مُضر وَكَذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام دَعَا على فِرْعَوْن وملئه

على أَن دَعْوَة نوح عَلَيْهِ السَّلَام رَحْمَة عللها هُوَ إِذْ دَعَا فَقَالَ {إِنَّك إِن تذرهم يضلوا عِبَادك} يَعْنِي يضلوا من آمن من قومه بِكَثْرَة الإذاية فَرُبمَا رَجَعَ مِنْهُم إِلَى مَذْهَبهم وَقد يكون الْعباد هُنَا المولودين على الْفطْرَة الَّذين إِذا أدركوا يكفرون بِكفْر آبَائِهِم كَمَا ورد فِي الْخَبَر

{وَلَا يلدوا إِلَّا فَاجِرًا كفَّارًا} يَعْنِي من يكفر فِي ثَانِي حَال لصِحَّة الْخَبَر أَنهم لَا يُؤمنُونَ وَلما رأى من الصَّبِي الَّذِي طرح على رَأسه الصَّخْرَة إِن صَحَّ الْخَبَر

وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَطَالَ مكثهم يتوالدون فيكثر سَواد أهل النَّار بطول مكثهم

وَهَذَا دُعَاء مُبَاح مَعَ مَا فِيهِ من الرِّفْق بِالْغَيْر وَطلب السَّلامَة للْبَعْض وَقد عده هُوَ ذَنبا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رأى أَن سُكُوته وَصَبره عَلَيْهِم كَانَ أولى بِهِ حَتَّى ينفذ فيهم حكم رَبهم بِمَا شَاءَ

وَيحْتَمل أَن يعده ذَنبا لكَونه لم يُؤمر بِهِ كَمَا عد مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قتل الْكَافِر ذَنبا لكَونه لم يُؤمر بِهِ فَيَقُول قتلت نفسا لم يَأْمُرنِي الله بقتلها

فَهَذَا رَحِمك الله أدل دَلِيل على صِحَة مَا ذَكرْنَاهُ فِي أَن الأكابر يصيرون بعض الْمُبَاحَات ذنوبا من بَاب الأولى والأحرى إِذْ الدُّعَاء على الْكَفَرَة مُبَاح إِجْمَاعًا.

(فصل)

ثمَّ إِن لله تَعَالَى أَن يعتب أنبياءه وأصفياءه ويؤدبهم كَمَا تقدم ويطلبهم بالنقير والقطمير من غير أَن يلحقهم فِي ذَلِك نقص من كمالهم وَلَا غض من أقدارهم حَتَّى يتمحصوا للعبودية وَالْقِيَام فِي نطاق الْخدمَة وَالْقعُود على بِسَاط الْقرْبَة

أَلا ترى كَيفَ نهى الله تَعَالَى نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن النّظر لبَعض الْمُبَاحَات فَقَالَ {لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم} الْآيَة. وَنَهَاهُ أَن يتبع النظرة الأولى ثَانِيَة فَقَالَ لَهُ {وَلَا تعد عَيْنَاك عَنْهُم تُرِيدُ زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا} مَعَ قَوْله تَعَالَى فِي مقَام آخر {قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ والطيبات من الرزق}

فَإِذا لم يحرم أكل الطَّيِّبَات والتمتع بالزينة إِذا كَانَت من كسب الْحَلَال وَالنَّظَر فِي الْحسن من التَّمَتُّع والزينة فَكيف يحرم النّظر إِلَيْهَا لَكِن كَمَا قَالَ الْمَشَايِخ حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين

جَاءَ فِي الصَّحِيح أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَوْم الْفَتْح (مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ خَائِنَة الْأَعْين)

يَعْنِي الْإِشَارَة بِالْعينِ فِي الْأَوَامِر حَتَّى يفصح بهَا

وَالْإِشَارَة بِالْعينِ فِي الْأَوَامِر مُبَاحَة لكنه [[يجْرى] ] عَنْهَا تنزها وتأكيدا لرفع الالتباس وَهِي مُبَاحَة لغير الْأَنْبِيَاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت