طلب أحد الغزاة مهلة من كافر ذي همة، طلب مهلة ليؤدي الصلاة، وما أن وافق الكافر، حتى أدى الغازي الصلاة، ثم عادت الحرب بعد ذلك إلى مجراها، وكانت للكافر صلاته كذلك، فطلب مهلة هو الآخر، وانسحب من المجابهة، واختار الكافر ركنا أطهر، ثم وضع رأسه على التراب أمام الصنم، وما أن رآه الغازي واضعا رأسه على الأرض، حتى قال: لقد واتتني الفرصة في ذلك الوقت. فأراد أن يضربه بسيفه، فجاءه هاتف من السماء صائحا:
يا من تتسم كلك بسوء العهد، عليك بالتمسك بالوفاء والعهد، إنه لم يضربك بالسيف وقد أعطاك المهلة أولا، فإن تضربه بالسيف، فكم تكون جاهلا! فيا من لم تقرأ «وأوفوا بالعهد» ، لقد أصبحت خائنا للعهد، إذا كان الكافر قد أحسن صنعا قبل هذا، فلا تكن عديم المروءة أكثر من هذا.
لقد فعل الخير، وأنت تفعل السوء، فافعل مع الخلق، ما تقبله لنفسك.
كان لك الوفاء والأمن من الكافر، فأين وفاؤك إذا كنت مؤمنا، فيأيها المسلم لقد جئت بعيدا عن التسليم، حيث كنت أقل وفاء من الكافر.
تحرك الغازي من مكانه بعد سماع هذا الحديث، وتملكه الخجل وتصبب عرقا من الرأس إلى القدم، وما أن رآه الكافر منتحبا هكذا، حتى وقف حائرا والسيف في يده، وقال: لماذا تبكي؟ فلتقل حقيقة ما حدث!
قال الغازي لقد عوتبت في هذا الزمان بسببك، ووصفت بعدم الوفاء من أجلك، لذا فأنا حائر هكذا بسبب قهرك.
ما أن سمع الكافر هذا القول الصريح، حتى أطلق صيحة عالية، ثم انهمر في البكاء، وقال: أهكذا يعاتب الله الجبار محبوبه من أجل عدوه البغيض، فإن يعاتب هكذا في الوفاء، فماذا أصنع يوم الحساب، وقد عدمت الوفاء؟
لتعرض الإسلام حتى أسارع بالدخول فيه، وأحرق الشرك، وأتبع شريعة اليقين، وا أسفاه أن كبّل قلبي هكذا، وأصبحت عديم المعرفة بربي هكذا.
يا عديم الأدب، ما أكثر مجافاتك للوفاء مع مطلوبك طوال الليل والنهار، ولكنني سأتذرع بالصبر، حتى يواجهك طاس الفلك بأفعالك واحدا، واحدا.