قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه الواجب على كل من يغشى السلطان وامتحن بصحبته أن لا يعد شتمه شتما ولا إغلاظه إغلاظا ولا التقصير في حقه ذنبا لأن ريح العزة بسطت لسانه ويده بالغلظة فإن أنزله الوالي منزلة رفيعة من نفسه فلا يثقن بها وليجانب معه كلام الملق والإكثار من الدعاء في كل وقت وكثرة الانبساط فرب كلمة أثارت الوحشة بل يجتهد في توقيره وتعظيمه عند الناس فإن غضب فليحتل في تسكين غضبه باللين والمداراة ولا يكون سببا لتهييجه
ولقد حَدَّثَنَا عمرو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا ابن عائشة عَن أبيه قَالَ بعث أَبُو جعفر إلى جعفر بْن مُحَمَّد قَالَ إني أستشيرك في أمر إني قد تأنيت أهل المدينة مرة بعد أخرى فلا أراهم يرجعون ولا يعتبون وقد رأيت أن أبعث فأحرق نخلها وأغور عيونها فما ترى فسكت جعفر فقال مالك لا تكلم قَالَ إن أذنت لي تكلمت قَالَ قل قَالَ يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطي فشكر وإن أيوب أبتلى فصبر وإن يُوسُف قدر فغفر وقد جعلك الله من النسل الذي يعفون ويصفحون قال فطفيء غضبه وسكن
حدثني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بن سعيد عن محمد ابن حميد بْن فروة عَن أبيه قَالَ لما استقرت للمأمون الخلافة دعا إبراهيم بن مهدي المعروف بابن شكلة فوقف بين يديه فقال أنت المتوثب عليها تدعي الخلافة فقال إِبْرَاهِيم يا أمير المؤمنين أنت ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى وقد جعلك اللَّه فوق كل ذي ذنب كما جعل كل ذي ذنب دونك فإن أخذت أخذت بحق وإن عفوت عفوت بفضل ولقد حضرت أَبِي وهو جدك أتي برجل كان جرمه أعظم من جرمي فأمر الخليفة بقتله وعنده المبارك بْن فضالة فقال المبارك بْن فضالة إن رأى أمير المؤمنين أن يستأنى في أمر هذا الرجل حتى أحدثه بحديث سمعته من الحسن يحدث به عَن رَسُول اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إيه يا مبارك قَالَ حدثني الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلم قَالَ إذا كان يوم القيامة نادى مناد مناد من بطنان العرش الاليقم العافون من الخلفاء فلا يقوم إلا من عفا فقال الخليفة له يا مبارك قد قبلت الحديث وعفوت عنه أخرج أيها الرجل فلا سبيل لأحد عليك فقال المأمون يا عم ههنا يا عم ها هنا
قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه الواجب على من ملك أمور المسلمين الرجوع إلى اللَّه جل وعلا في كل لحظة وطرفة لئلا يطغيه مَا هو فيه من تسلطه بل يذكر عظمة اللَّه وقدرته وسلطانه وأنه هو المنتقم ممن ظلم والمجازي لمن أحسن فليلزم في إمرته السلوك الذي يؤديه إلى اكتساب الخير في الدارين وليعتبر بمن كان قبله من أشكاله فإنه لا محالة مسئول عَن شكر مَا هو فيه كما هو لا محالة مسئول عَن حسابه إذا المصطفى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسلم قَالَ يقول اللَّه تبارك وتعالى يوم القيامة ألم أحملك على الخير ورزقتك النساء وجعلتك ترأس وتربع فيقول بلى فيقول فأين شكر ذلك
وأنشدني ابن زنجي البغدادي:
يدبر أسباب الرجال مؤمر ... إذا صلحت في الصدر أشفى وأبين
من العقل أن تحتاط فيما وليته ... وتحسم مَا تخشاه والأمر ممكن