الصفحة 26 من 50

لكن هذا المذهب مرفوض بين فقهاء «الأصولية» ، وقد قال السيد محمد باقر الصدر حينما انتقد استشهاد الشيخ محمد أمين الاسترآبادي في فوائده المدنية على قدم دعواه الأخبارية، بذكر العلامة الحلي لطائفة من علماء الإمامية باسم الأخباريين: «الحقيقة أن العلامة الحلي يشير بكلمة الأخباريين في حديثه إلى مرحلة من مراحل الفكر الفقهي، لا إلى حركة ذات اتجاه محدد في الاستنباط، فقد كان في فقهاء الشيعة منذ العصور الأولى علماء أخباريون يمثلون المرحلة البدائية من التفكير الفقهي، وهؤلاء هم الذين تحدث عنهم الشيخ الطوسي في كتاب «المبسوط» ، وعن ضيق أفقهم، واقتصارهم في بحوثهم الفقهية على أصول المسائل، وانصرافهم عن التفريع والتوسع في التطبيق. وفي النقطة المقابلة لهم الفقهاء الأصوليون الذين يفكرون بذهنية أصولية، ويمارسون التفريع الفقهي في نطاق واسع؛ فالأخبارية القديمة إذن تعبر عن مستوى من مستويات الفكر الفقهي لا عن مذهب من مذاهبه» [1] .

(1) ـ محمد باقر الصدر: المعالم الجديدة للأصول ـ ص 80، 81. والسيد الصدر بعد ذلك يعزو هذا الرأي إلى المحقق الأصولي الشيخ محمد تقي عبد الرحيم الأصفهاني (تـ1248هـ) ، وإلى الفقيه الأخباري الشيخ يوسف البحراني (تـ1186هـ) ، ويوثق ذلك بنقل كلامهما الدال عنده على أن محمد أمين الاسترآبادي هو أول من جعل الأخبارية مذهبا مقابلا للأصولية.

وقد أصاب فيما يتعلق ببيان رأي المحقق الأصولي الشيخ محمد تقي عبد الرحيم. أما الاستشهاد بكلام المحدث البحراني؛ ففيه نظر وفي النفس منه شيء؛ لأن البحراني لا ينفي سبق وجود الأخباريين في الشيعة الاثنا عشرية؛ بل يؤكد أنه لم يكن بينهم وبين الأصوليين خصومة ظاهرة ولا تعدي حتى ظهر الأمين الاسترآبادي فأعلن الخصومة، وشرع في التطاول على علماء الأصوليين. والبحراني يذكر ابن بابويه القمي الصدوق (تـ381هـ) على أنه رئيس الأخباريين في زمانه، ويذكر الأمين الاسترآبادي على أنه المجدد لمذهب الأخباريين في الزمان الأخير، وتراه يقول في آخر مقدمات الحدائق الناضرة: «العصر الأول كان مملوءا من المحدثين والمجتهدين، مع أنه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف، ولم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الأوصاف، وإن ناقش بعضهم بعضا في جزئيات المسائل واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل ...؛ ولكن ربما حاد بعضهم أخباريا كان أو مجتهدا عن الطريق غفلة أو توهما أو لقصور اطلاع أو قصور فهم أو نحو ذلك في بعض المسائل؛ فهو لا يوجب تشنيعا ولا قدحا ...، وقد ذهب رئيس الأخباريين الصدوق (رحمه الله تعالى) إلى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد ولا أخباري، مع أنه لم يقدح ذلك في علمه وفضله. ولم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقوع هذا الاعتساف إلا من زمن صاحب الفوائد المدنية سامحه الله تعالى برحمته المرضية، فانه قد جرد لسان التشنيع على الأصحاب وأسهب في ذلك أي إسهاب، وأكثر من التعصبات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب. وهو وإن أصاب الصواب في جملة من المسائل التي ذكرها في ذلك الكتاب، إلا أنها لا تخرج عما ذكرنا من سائر الاختلافات ودخولها فيما ذكرنا من التوجيهات. وكان الأنسب بمثله حملهم على محامل السداد والرشاد إن لم يجد ما يدفع به عن كلامهم الفساد» .. الشيخ يوسف البحراني: الحدائق الناضرة ـ 1/ 169، 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت