الصفحة 30 من 50

وقد أشار السيد محمد باقر الصدر إلى ما كان بين الحركة الأخبارية عند الشيعة في الشرق والحركة الحسية في الغرب من اقتران في التاريخ وتشابه في المقدمات والنتائج، ثم قدم بالإضافة إلى ذلك بيانا لنقطة الانفصال بين الفريقين بما يكاد يكون جوابا لما سبق من تساؤل السيد البروجردي .. قال الصدر: «هناك التقاء فكري ملحوظ بين الحركة الفكرية الأخبارية والمذاهب الحسية والتجريبية في الفلسفة الأوروبية، فقد شنت جميعا حملة كبيرة ضد العقل، وألغت قيمة أحكامه إذا لم يستمدها من الحس. وقد أدت حركة المحدث الإسترابادي ضد المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس إلى نفس النتائج التي سجلتها الفلسفات الحسية في تأريخ الفكر الأوروبي، إذ وجدت نفسها في نهاية الشوط مدعوة بحكم اتجاهها الخاطئ إلى معارضة كل الأدلة العقلية التي يستدل بها المؤمنون على وجود الله سبحانه؛ لأنها تندرج في نطاق المعرفة العقلية المنفصلة عن الحس. فنحن نجد مثلا محدثا كالسيد نعمة الله الجزائري يطعن في تلك الأدلة بكل صراحة وفقا لاتجاهه الأخباري، كما نقل عنه الفقيه الشيخ يوسف البحراني في كتابه «الدرر النجفية» ؛ ولكن ذلك لم يؤد بالتفكير الأخباري إلى الإلحاد كما أدى بالفلسفات الحسية الأوروبية؛ لاختلافهما في الظروف التي ساعدت على نشوء كل منهما؛ فإن الاتجاهات الحسية والتجريبية في نظرية المعرفة قد تكونت في فجر العصر العلمي الحديث لخدمة التجربة وإبراز أهميتها؛ فكان لديها الاستعداد لنفي كل معرفة عقلية منفصلة عن الحس. وأما الحركة الأخبارية فكانت ذات دوافع دينية، وقد اتهمت العقل لحساب الشرع لا لحساب التجربة؛ فلم يكن من الممكن أن تؤدي مقاومتها للعقل إلى إنكار الشريعة والدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت