الصفحة 31 من 50

ولهذا كانت الحركة الأخبارية تستبطن في رأي كثير من ناقديها تناقضا؛ لأنها شجبت العقل من ناحية لكي تخلي ميدان التشريع والفقه للبيان الشرعي، وظلت من ناحية أخرى متمسكة به لإثبات عقائدها الدينية؛ لأن إثبات الصانع والدين لا يمكن أن يكون عن طريق البيان الشرعي بل يجب أن يكون عن طريق العقل» [1] .

ولهذا كان السيد الصدر حريصا على أن يبين وعي الشيخ محمد أمين الاسترآبادي من البداية بأن دلائل العقل ليست مهملة أو غير صادقة في جميع الأحوال؛ فأشار إلى قوله في «الفوائد المدنية» المتعلق ببيان أن العلوم النظرية عنده على قسمين: قسم ينتهي إلى مادة قريبة من الإحساس، ومن هذا القسم علم الهندسة والحساب، وأكثر أبواب المنطق، وهذا القسم لا يقع فيه الاختلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الأفكار؛ لأن الخطأ في الفكر إما من جهة الصورة وإما من جهة المادة، والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء؛ لأن معرفة الصورة من الأمور الواضحة عند الأذهان المستقيمة. وقسم ينتهي إلى مادة هي بعيدة عن الإحساس، ومن هذا القسم الحكمة الإلهية والطبيعية، وعلم الكلام، وعلم أصول الفقه، والمسائل النظرية الفقهية، وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق كقولهم: (الماهية لا يتركب من أمرين متساويين) ، وقولهم: (نقيض المتساويين متساويان) ومن ثم وقع الاختلاف والمشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهية والطبيعية وبين علماء الإسلام في أصول الفقه والمسائل الفقهية وعلم الكلام وغير ذلك من غير فيصل. انتهى [2] .

(1) ـ السيد محمد باقر الصدر: المعالم الجديدة للأصول ـ ص 44، 45.

(2) ـ راجع الصدر: المعالم الجديدة للأصول ـ ص 43. وهذا الكلام أورده الاسترآبادي في الفصل الثاني من فوائده تاسع وجوه استدلاله على انحصار مدرك ما ليس من ضروريات الدين من المسائل الشرعية أصلية كانت أو فرعية في السماع عن الصادقين عليهم السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت