الصفحة 36 من 50

وأما ثالثا؛ فلأن العصر الأول كان مملوءا من المحدثين والمجتهدين، مع أنه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف، ولم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الأوصاف، وإن ناقش بعضهم بعضا في جزئيات المسائل واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل ...» [1] .

ولم يلبث خمول الحركة الأخبارية طويلا حتى ظهر الميرزا محمد الأخباري الذي وقف قبال الشيخ جعفر كاشف الغطاء (تـ1228هـ) وغيره من علماء الأصوليين، وتجاوز كل ما يراعى من الحدود في نقدهم والتهجم عليهم؛ حتى قال السيد محمد حسن آل الطالقاني: «وقد تطرف الأخباري إلى أبعد حد، ووسع شقة الخلاف كثيرا، وتخلى عن الأدب والحشمة والاحترام في مناقشته لعلماء الأصوليين ...، واستعمل بذيء القول ومرذوله» [2] .

(1) ـ الشيخ يوسف البحراني: الحدائق الناضرة ـ 1/ 167: 169. ومن الملاحظ أن الدافع الأول فيما ذكره الشيخ البحراني كان مرعيا أيضا من جهة الأصوليين؛ حتى في كتاباتهم ضد الحركة الأخبارية؛ فالشيخ جعفر كاشف الغطاء يقول في صدر رسالة الحق المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الأخباريين: «فالمجتهد أخباري عند التحقيق، والأخباري مجتهد بعد النظر الدقيق؛ ففضلاء الطرفين بلطف الله ناجون، الواصلون إلى الحق منهم والقاصرون. والجهال المقصِّرون والطاعنون على المجتهدين المشيدين لأركان الدين هالكون؛ فلا يرد علينا تشنيع بعض المخالفين من المسلمين بأن الخلاف كما وقع بين الفقهاء الأربعة وقع بين المجتهدين والأخباريين، إذ لا نزاع بيننا في أصول الدين، ولا مانع عندنا من الرجوع إلى الطرفين في معرفة حكم رب العالمين، وإنما جعل لكل اسم على حدة لحصول الخلاف بينهم في مسائل متعددة، وإن كان الحق فيها مع المجتهدين؛ إذ الأخباريون فيها مخطئون؛ لكنهم غير مُقَصِّرين» .

وإنني لا أدري من أين حصل عنده أن النزاع بين الفقهاء الأربعة كان في أصول الدين؟!

(2) ـ الطالقاني: الشيخية نشأتها وتطورها ومصادر دراستها ـ ص 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت