فهرس الكتاب
ثانيًا: بدلًا من أن يقلِّد العوام عالم الدين، سيصبح عالم الدين هو المقلد للعوام، في حين أنه لو كان عامة الناس يعرفون الطريق الصحيح لما كان لهم حاجة إلى عالم الدين.
إن عالم الدين طبيب الروح والطبيب تعامله مع البدن والحروق وإعطاء الأدوية المُرَّة والحادّة، أما لو أراد الطبيب أن يعطي المريض أدويةً أو يصف له طعامًا حسب هواه [أي هوى المريض] عند ذلك لن يكون طبيبًا بل قهوجيًا.
عالم الدين كذلك عمله محاربة الظنون والأوهام وإزالة الخرافات من العقول وتنقية الدين الأصيل وتطهيره من البدع والأكاذيب، وهذه الأمور كلها تخالف ميول العامّة.
فمن هو على استعدادٍ اليوم لخوض مثل هذه المصاعب، فضلًا عن تمكُّنه من حلِّ مشكلة قطع الرزق عن عياله وأولاده؟!
عالم الدين عبدٌ من عباد الله وإنسان كسائر الناس، وليس خارجًا عن قانون الطبيعة، فعندما يرى الجمل يبرك في منزل العالم الأكثر محافظةً، وعندما يرى الفلوس والجاه والاحترام تذهب إلى العالم الأكثر خُرافيَّةً، وعندما يرى أنه كلما كان قارئ المراثي [على الإمام الحسين] وصاحب المنبر أبرع في نسج الأكاذيب كان أكثر تقدمًا لدى الناس، وفي المقابل عندما يرى أن الشيوخ الآخرين الذين لا يقلُّون عن أولئك العلماء علمًا وفضلًا، إلا أنهم بسبب عدم تكلُّمهم بما يرضى هوى العامة، أصبحوا غير قادرين على تأمين حتى رغيف الخبز الحاف؛ فإنه يتعلّم الدرس جيدًا منذ البداية ويأخذ العِبْرَة حتى آخر عمره.
مثال واضح: الجميع يعلم اليوم أن ضرب الرأس بالقامة [أي بالسيف في مراسم العزاء الحسيني] أمرٌ مخالفٌ للشرع. والجميع يعلم أن معظم ما يُقال في مراثي العزاء [الحسينية] كذب على الله ورسوله. وأن الكذب على الله ورسوله هو أسوأ وأقبح الكذب. ورغم كل ذلك لماذا لا يجترئ أي عالم دين على منع الناس ونهيهم عن هذه الأعمال؟
السبب واضح: إنه يعلم أنه لو فتح فاهه بمثل هذه الأمور لانقطع معاشه.