فهرس الكتاب
والامر عندما وجه وجه أصلًا للحاضرين وهم الذين كما ذكرنا كانوا على الشرك، فكيف يمكن ان نلزم بهذه الحادثة المسلمين وهم أصلًا لم يقصدوا بهذا الحكم؟
وكيف يمكن ان نقيم عليهم الحجة في اثبات هذا الاصل وهم لم يشهدوا هذه الواقعة؟
فالسؤال الذي يفرضه العقل ها هنا ويتبادر إلى اذهان جميع المكلفين:
لماذا حصر النبي صلى الله عليه وسلم هذا العرض بال عبد المطلب دون غيرهم من المسلمين؟
ولماذا حصره في الكفار منهم، اهكذا تقام الحجة على الناس في اثبات أصل من أصول الدين؟
ان النبي صلى الله عليه وسلم لو جمع وقتها كل المسلمين وعرض عليهم هذا العرض لربما كان هناك وجه حق لهذا الفعل، ولربما كان له نوع قبول باقامة الحجة، ولكن ان يقتصر على جماعة معينة لهم صفات خاصة فهذا بعيد كل البعد عن حيز اقامة الحجة، ولا يجد العقل له تبريرًاُ أو مسوغًا.
علي رضي الله عنه الحاضر الوحيد من المسلمين
بل كيف يمكن ان نجعلها دليلًا ملزمًا والناقل لها هو علي رضي الله عنه لأنه كان الحاضر وحده، وهو أصلًا المقصود في الحكم؟ وكان انذاك على صغر في السن يمنع أهليته من احتلال هذا المنصب، بل ويقدح فيه من هذا الجانب لانه يشهد لنفسه بامر لا يجوز له ان ينفرد بالشهادة به من غير ما مستمسك ومن غير ما شهود يؤيدونه في مدعاه [1] .
(1) * لم يستشهد أحد من المشركين بعد إسلامه بهذه الحادثة
حتى اؤلئك الذين اسلموا بعد تلك الحادثة، لم نسمع منهم طوال التاريخ من بداية اسلامهم حتى موتهم، ومنهم من استمرت بهم الحياة إلى زمن حكم علي رضي الله عنه.
أقول لم نسمع انهم ذكروا هذه الحادثة في أي مناسبة من المناسبات، ولم يتطرقوا مطلقًا إلى قضية الاستدلال بها في الحوادث والوقائع التي تستدعي ان يستدلوا بها الزامًا لمناظر، أو اسكاتًا لمنازع، أو افحامًا لمخاصم، أو سدًا لباب فتنة، أو دفعًا لضرر محتمل أو متحقق، أو ارجاعًا لحق قد سلب من صاحبه إلى آخر ذلك من الأسباب التي تستدعي الاستشهاد بمثل هكذا حوادث، فما الذي منعهم إذن من ايرادها؟ لا جواب سوى انه لا وجود لها، ولا تحقق لمجرياتها على ارض الواقع فهو السبب الوحيد الذي يؤدي إلى عدم ذكرها.
وكاستشهاد بأدلة واقعية تدل على صحة ما ذهبنا إليه نجد اثارًا حدثت في مناسبات يستفاد من هذه الحوادث عدم ورود هذه القضية وذلك لانها لو كانت واردة لما احتيج إلى ما جرى في هذه الحوادث المروية.
العباس رضي الله عنه يريد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته فيمن يكون الأمر بعده
ومن ذلك ما ورد في المحاورة بين العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم - وهو ممن شهد حادثة الدار- وعلي بن أبي طالب قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخصوص قضية الإمامة، وهذه الحادثة يرويها الإمام البخاري في صحيحه (ج7 ص:136) وإليك نص الرواية الواردة فيه:
حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، قال:
أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس ياابا الحسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
أصبح بحمد الله بارئًا فأخذ بيده العباس فقال الا تراه أنت والله بعد الثلاث عبد العصا والله إني لارى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتوفى في وجعه وإني لاعرف في وجوه بني عبد المطلب الموت فاذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنساله فيمن يكون الأمر فإن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا آمرناه فأوصى بنا.
قال علي: والله لئن سالناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمنعنا لا يعطيناها الناس أبدًا، واني لا اسالها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا..
أقول:
فانظر عزيزي القارئ إلى الذي جرى فلا العباس رضي الله عنه يعلم بالحادثة أو يذكر لها وجودًا، ولا علي رضي الله عنه يعلم من حاله انه صاحب الحق في قضية الإمامة، فلو كانت واردة لما قال العباس رضي الله عنه قوله، ولا رد علي رضي الله عنه عليه بهذا الجواب.