فهرس الكتاب
والذي دفعنا إلى هذا التعجب عظم هذه القضية فهي ليست من الأمور العابرة التي يمكن الاستغناء عنها، ولا من الشؤون الدنيوية العارضة والتي لا يؤبه بها بحيث ذكرت أم لم تذكر فالامر سيان، انها قضية جوهرية تنبني عليها أحكام على غاية من الخطورة، على درجة عالية من التاثير سواء ان كان هذا التاثير بعقيدة المسلمين نفسها، أو بمجرى تاريخ الأمة، لانها على تقدير ثبوتها فسيكون لها جل الاثر في تغيير مجرى حياة المسلمين والاتجاه بالامة إلى مسلك له خصوصياته من ناحية الحكم ونظامه والتمثيل وشخوصه.
ولكن على الرغم من كل هذا الذي ذكرناه من الخطورة المترتبة على هذه الحادثة نجد ان القرآن قد ترك ذكرها ولم يعرج عليها ولو باية، هذا هو العجب الذي اردنا الاشارة إليه.
الانذار هو التخويف بالوعيد الشديد
فإن ادعى بعضهم ان قوله تعالى: (( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ) [الشعراء:214] نزلت اشارة إلى هذه الحادثة وأنها امر موجه من الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم لجمع عشيرته ويوجه اليهم عرضًا مقابل ايمانهم، قلنا:
ان هذا الادعاء غير صحيح ولا يمكن ان يثبت من جهة ان الروايات التي وردت في سبب نزولها قد تعددت، ولم تكن مقتصرة على هذ الحادثة فقط، وعند ذاك تندفع امكانية حصرها في هذه الحادثة بالذات.
ومن جهة اخرى ان مدلول الاية لا يتناسب مع الحادثة التي جرت والمعاني المستفادة منها، فالاية تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالانذار، والانذار هو التخويف بالوعيد الشديد، وتوجيه التحذير لمن يخاف عليه سوء العاقبة بسبب حاله الذي هو عليه واعماله التي تصدر منه.
وبشر عشيرتك الاقربين
وهذا المعنى لا يتناسب مع العرض المقدم من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحاضرين، لأن العرض هو عبارة عن الترغيب، ومحاولة استمالة المقابل عن طريق اغرائه بما يستدرج به ويكون سببًا لكسب ولائه، وهذا المعنى هو ترغيب وتبشير ويخالف الانذار من كل وجه.