فهرس الكتاب
وكيف يستقيم هذا العرض إذا اردنا به المعنى الثاني؟ وكثير من الحاضرين من هم أصحاب وجاهة متحققة واقعًا، فليسوا هم من عوام الناس واراذلهم حتى يتم اغراؤهم بوعد مؤجل، العلامات الظاهرة كلها كانت تدل وقتها على عدم تحققه، بل ان الاغراء لهم ومحاولة سحبهم واستمالتهم لا تستقيم الا مع المعنى الأول لانها ستضيف اليهم مركزًا جديدًا ومنصبًا آخر يضاف إلى ما هم فيه.
اناس يبحثون عن العرض الجاهز
وهناك نقطة لا ينبغي اغفالها والمتمثلة بمراعاة حال المخاطب اثناء توجيه الكلام إليه، وبما ان غالبية الحاضرين كانوا مشركين وممن قال الله فيهم: (( إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) ) [المؤمنون:37] .
أي انهم لا يؤمنون بالغيبيات، ولا يتعاملون الا بالنقد الحاظر، فلذلك كان المنقول عنهم الدنيا نقد والاخرة نسيئة، إذا كان هذا هو حالهم فكيف سيستقيم المعنى الثاني معهم؟
انهم اناس يبحثون عن العرض الجاهز المتوافر بين ايديهم وهذا لا يكون الا باسناد شيء متحقق بين ايديهم من الممكن ان يتناولوه وان يحسوا باثره عليهم، إذن فالنتيجة ان الخليفة يحتمل معنىً في حياة المستخلف، ومعنىً آخر بعد وفاته والذي يرجح كما بينا بل الذي لا يمكن ان يقال الا به المعنى الأول الا وهو اسناد شؤون الحاضرين إليه وتوكيل ادارتها بحيث يكون هو المسؤول عنهم.
خلافة محصورة في الحاضرين
والذي يقوي أيضًا ما ذكرناه قوله (فيكم) أي ان هذه الخلافة ستكون محصورةً في الحاضرين، مع وجود الخليفة فيهم، فاذا ما اردنا المعنى الثاني أي بعد موته قد لا يكون من الحاضرين من هو موجود أصلًا ذلك الوقت، بل ان الموعود بالخلافة قد لا تستمر به الحياة إلى حين تولي المنصب.