الصفحة 127 من 398

الكلُّ يعلمُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يدعو عشيرته وقريشًا بل كلَّ العرب في الجزيرة إلى شيء أعظم وأكبر من تنصيب خليفة، أو وصيٍّ بعده، كان يدعوهم إلى قول: (لا إله إلاَّ الله) ، وكان يُسَفِّه آلهتهم، ويطعن بآبائهم، ولا يهاب سطوتهم وجبروتهم، ولا يداخله أدنى تردُّدٍ عن تبليغ ما أُمِر به، متنقَّلًا من قبيلة إلى أخرى، ومن قوم إلى آخرين، حتى احتدَمَ القتال بينه وبينهم، وأصبحت الحرب بينهم سجالًا.

ويكفي دليلًا على ما نقول مقالته الشهيرة لعمه أبي طالب رداًّ على زعماء قريش الذين عرضوا عليه الدنيا والملك على أن يتوقف عن سبِّ آلهتهم وتسفيه أحلامهم:

[والله يا عم؛ لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه] (1) .

النبي صلى الله عليه وسلم يخاف ويمتنع من تبليغ أي امر يخص عليًا

بعد الذي قدمنا أليس من الغريب عزيزي القارئ أن نجد في مثل هذه الراويات المنسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم والتي يعتمد عليها علماء الشيعة كثيرًا في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يمتنع ويحجم عن الإبلاغ والإنذار إذا تعلق الأمر بتبليغ شيء يخص علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إذا كان ذلك صحيحًا فلعلَّ مردَّه لأحد سببين:

إما خوفًا من الكفار (عشيرته) كما في هذه الحادثة حتى جاءه التهديد والوعيد من رب العزة، وإما خوفًا من أقرب النَّاس إليه وهم أصحابه الذين آزروه، ونصروه، وهاجروا معه تاركين الأهل والأوطان، وقتلوا في سبيل إعلاء كلمة الله آباءهم وأبناءهم.

هذا الخوف المزعوم تلهج به ألسنة علماء الشيعة في دروسهم ومصنفاتهم المختلفة في حادثة (الغدير) ، عندما سكت النبي صلى الله عليه وسلم خوفًا ولم يبلِّغ الصحابة رضوان الله عليهم وهم طوعُ بنانه أن الخلافة بعده ستكون في علي رضي الله عنه فنزل حينئذٍ قوله تعالى يحمل العتاب الشديد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت