فهرس الكتاب
إذن فابو طالب كان داخلًا في هذا الأمر الموجه ومشمولًا في الحكم المترتب على هذه الحادثة، ويمكننا ان نعبر عن هذه المقدمة بقولنا:
(أبو طالب مشمول بخطاب الأمر بالسمع والطاعة) [1] .
(1) * نقل الأميني في كتابه (ايمان أبي طالب ص:32) حادثة الدار برواية ابن الاثير لكي يثبت من خلالها ايمان أبي طالب، فمما قاله أبو طالب بعد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهم للمناصرة والمؤازرة، ما نصه:
ما احب الينا معاونتك، واقبلنا لنصيحتك، واشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو ابيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم غير اني اسرعهم لما تحب، فامض لما امرت به، فوالله لا ازال احوطك وامنعك، غير ان نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.
ثم علق الأميني تعليقًا سمجًا على هذا القول، بكلام نصه:
لم يكن دين عبد المطلب سلام الله عليه الا دين التوحيد، والايمان بالله ورسله وكتبه غير مشوب بشي من الوثنية
أقول:
وقول الأميني هذا ظاهر البطلان فهو مردود بنفسه، وانصافًا معه سنبين الاوجه التي التي يرد بها قوله:
أولًا:
ان قوله هذا يتخلف عنه الدليل فلا دليل يثبت ان عبد المطلب كان على الحنيفية بل ان الأخبار كلها والادلة المتوافرة في كتب السير تثبت ان عبد المطلب كان على ملة اباءه في مكة، ومع تخلف الدليل عن هذه الدعوة تكون تخرصًا بعيداًُ كل البعد عن العقل والواقع.
ثانيًا:
إن الكلام الذي صرح به أبو طالب في سياق هذه الرواية يخالف مخالفة تامة ما ذهب إليه الأميني حيث انه جعل دين عبد المطلب مقابلًا لدين محمد صلى الله عليه وسلم ومخالفًا له، وهذا واضحًا وضوح الشمس في نص الرواية فلا ادري من أين جاء الأميني بهذا الفهم ومقتضى الحال بعيد كل البعد عما ذهب إليه؟
ثالثًا:
لو فرضنا صحة قولك بأن دين عبد المطلب لم يشبه شيء من الوثنية فإن بمجرد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لزم الناس كلهم اتباعه، وصار دينه ناسخًا للشرائع، ومبطلًا لاثارها وحاصرًا للقبول فقط برسالته، وبضمنها من كانوا على الحنفية، قال تعالى: (( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) )آل عمران:85..
رابعًا:
ان النبي صلى الله عليه وسلم عندما ارسل كان مأمورًا ابتداءً بانذار عشيرته الاقربين والذين هم اعمامه وبنوا اعمامه، وهذا يدل دلالة قطعية على انهم كانوا على ملة ودين تخالفان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما لم يستجب أحد منهم حكم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم الذي يثبت للكفار والمشركين وعمه أبو لهب معلوم الحال عند الجميع فهو الكافر الوحيد الذي صرح الله باسمه في القرآن بقوله: (( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) )المسد:1..
وبعد هذا الرد على قول الأميني ينبغي الإشارة إلى أمر مهم بخصوص إيمان أبي طالب وتعلقه بما ذكره الأميني فهم لما لم يستطيعوا ان يثبتوا ان أبا طالب قد دخل في الإسلام بروايات صريحة وصحيحة اخذوا يتخبطون في جمع روايات لا تحتمل اثبات هذا الحكم لابي طالب، ويحاولون عن طريق لي اعناقها ان يجعلوها دالة على مطلوبهم كما فعل الأميني هنا، لكن هذا لا يكون ولا يمكن ان يثبت كما سنبينه لك إن شاء الله لاحقًا في سياق هذا البحث.
البحث عن الادلة
وفي سياق عرض الأميني للادلة التي من خلالها يحاول اثبات اسلام أبي طالب اورد رواية تتناول وصية لابي طالب لقومه عندما كانوا حاضرين ساعاته الاخيرة، وتكلف كثيرًا في استدلاله من هذه الوصية بما لا تحتمله الرواية نفسها، وبما لا يمكن ان يكون دليلًا على المقصود، واليكم نص الرواية مع تعليق الأميني عليها لنتبين مدى الضعف الذي حمله استدلاله:
خطبة أبي طالب
إني أوصيكم بمحمد خيرًا فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما اوصيتكم به، وقد جاءنا بامر قبله الجنان، وانكره اللسان مخافة الشنآن، وايم الله كاني انظر إلى صعاليك العرب وأهل الاطراف والمستضعفين من الناس قد اجابوا دعوته وصدقوا كلمته، وعظموا امره، فخاض بهم غمرات الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاة ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة، وفي أجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدافعت عنه الدواهي.
تعليق الأميني على الخطبة
ثم علق الأميني على وصية أبي طالب هذه (ص 50) ، فقال:
في هذه الوصية الطافحة بالايمان والرشاد دلالة واضحة على انه صلى الله عليه وسلم انما ارجأ تصديقه باللسان إلى هذه الاونة التي يئس فيها من الحياة حذرًا شنآن قومه المستتبع لانثياله عنه، المؤدي إلى ضعف المنة فتفكك القوى، فلا يتسنى له حينئذ الذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وان الإيمان به مستقرًا في الجنان من أول يومه، لكنه لما شعر بازوف الاجل وفوات الغاية المذكورة ابدى ما اجنته اضلاعه، فاوصى بالنبي صلى الله عليه وسلم وصيته الخالدة.
الرد الشافي على قوله
ان الأميني في عرضه هذا وفي محاولته اثبات اسلام أبي طالب من خلال هذه الوصية، ضرب كل الروايات الاخرى عرض الحائط، وجعل الاستدلال محصورًا بهذه الرواية وتوضيحًا لهذا، أقول:
أولًا:
الخطبة تثبت أن أبا طالب لم يسلم حال حياته
ان الأميني اثبت في استدلاله هذا ان أبا طالب ارجأ اسلامه والاعلان به إلى ساعة حضور وفاته بالتعليل الذي ورد هنا، وهو بهذا الاستدلال يوصل نفسه والقراء جميعًا إلى حقيقة مفادها:
انه لا يمكن مطلقًا من خلال الروايات المطروحة عند الشيعة التوصل إلى حكم باسلام أبي طالب وان اسلم طريق للحكم باسلامه هو أخذ الروايات التي شرحت ما جرى له ساعة حضور الوفاة لأن فيها نقولات قد يستوحى منها اسلام أبي طالب على درجة اوضح من غيرها ولكن حتى هذا لا يستقيم له كما سنبين.
ثانيًا:
الخطبة تدل على انه لم ينطق بالشهادتين حتى ساعة الاحتضار
ان هذا الاستدلال من هذه الوصية على اسلام أبي طالب لا يستقيم مطلقًا بل على العكس ان الرواية بما فيها من كلام صادر عن أبي طالب يدل دلالة واضحة على انتفاء الإسلام عنه وعلى انه لم يدخل فيه مطلقًا وذلك من خلال النقاط الاتية:
أبو طالب يسرد أوصاف للنبي صلى الله عليه وسلم معروفة للكافرين
1-ان الوصية لا تخرج عن كونها سردًا لصفات النبي صلى الله عليه وسلم ولواقعه الذي عليه، فهذه الأمور يعرفها العالم كلهم، فابو طالب هنا لم يات بجديد، ولم يكشف عن مستور وإنما ذكر واقعًا يتفق عليه الكل حتى الكفار والمشركين منهم، واراد من خلاله ان يستميل شفقتهم، ويطفأ نار غضبهم على ابن اخيه لتذكيرهم بصفاته الحسنه وخلاله الحميدة.
الأصل في أبي طالب أنه لم يسلم
2-ان كلام أبي طالب كله لم يرد فيه مطلقًا تصريحه بانه دخل الإسلام ولا فيه اشارة إلى انه (نطق بالشهادتين) والتي بهما يتحقق يقينًا دخول المرء إلى دين الاسلام، فبما ان أبا طالب لم يثبت له حكم الإسلام قبل هذه الحادثة بحسب الأميني فيكون هذا هو المتيقن في الحكم عليه، وهذه الوصية لم يرد فيها ما يرفع هذا الأصل وهو المتيقن من عدم دخوله في الإسلام (بالنطق بالشهادتين) ، لذلك فيبقى الحكم على حاله استصحابًا للاصل، وتأصيلًا لليقين الثابت فيه.
اليهود والنصارى مقرون بصدق النبي صلى الله عليه وسلم
3-ان غاية ما يمكن ان يستدل به من كلام أبي طالب هذا انه كان مصدقًا بجنانه أي بقلبه عارفًا صدق ابن اخيه، وكما هو معلوم وباجماع المسلمين ان مجرد المعرفة، والميل القلبي لا تكفي في اثبات اسلام أحد، بل ينبغي الاتيان بالعمل الذي من خلاله نحكم على المرء بالاسلام الا وهو (النطق بالشهادتين) .
فاليهود والنصارى على سبيل المثال كانوا مقرين بصدق النبي صلى الله عليه وسلم عارفين منزلته وما هو عليه من صحة في الادعاء، وصدق في التبليغ قال تعالى: (( يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ) )، ولكن تخلف عنهم الاتباع والانقياد، فلذلك لم يكفهم ما هم عليه من معرفة وايمان قلبي في هذا الشأن، كذا الحال عند أبي طالب فإن مجرد المعرفة والميول القلبية لا تكفي مطلقًا في الحكم باسلامه ما لم يصدر عنه ما يدل على الاتباع والانقياد والذي هو هنا (النطق بالشهادتين) التي بهما يحكم على المرء بكونه مسلمًا.
مخافة الشنآن علة لم تنفك عنه طوال حياته
4-العجيب من الأميني انه ذكر العلة المانعة من دخول أبي طالب إلى الإسلام والتي هي (مخافة الشنآن) من قومه، وهذه العلة لم تنفك مطلقًا عن أبي طالب طيلة فترة وجود النبي صلى الله عليه وسلم عنده، وكانت صارفة له عن الدخول إلى الإسلام رغم كل ما قدمه للنبي صلى الله عليه وسلم من خدمات ومعونات وهي عينها التي صرفته حال وفاته عن الدخول في الإسلام.
وهذا عينه الذي ذهب إليه أهل السنة في تعليلهم لسبب عدم دخول أبي طالب إلى الإسلام، حيث بينوا ان مخافته من الذم الذي قد يلحقه من قومه بتركه دين اباءه هو الصارف له عن الدخول إلى الإسلام.
لذا فإن اثبات العلة المانعة من الدخول إلى الإسلام مع عدم نهوض الدليل في الاثبات يدل على استمرارية أثر هذه العلة في النفس وفعلها المانع من اخضاع أبي طالب للانقياد لهذا الدين.
الأميني اثبت عدم اسلام أبي طالب حتى عند الوفاة
والنتيجة ان الأميني من حيث لا يشعر ابطل أي امكانية للحكم على أبي طالب بالاسلام من خلال نفيه لاسلامه طيلة فترة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وحتى وفاته، وعندما اراد ان يستدل بما صدر منه من كلام عند الاحتضار خانته مجريات احداث هذه الساعة والكلام الصادر فيها عن استقامة ما ذهب إليه وهذا ما اوضحناه لك من خلال مناقشتنا لكلامه.