الصفحة 203 من 398

ولبيان مزيد من التفاصيل فيما يتعلق بحادثة مبيت علي رضي الله عنه ليلة الهجرة وما بعدها، ولاهمية هذه الحادثة في المنظور العقدي الاسلامي اثرت ادخالها في ثنايا هذا البحث للتعلق به من جهة وللاثر العميم الفائدة لهذه الحادثة على جميع قضايا الدين والتي هي محل خلاف بين الفرق [1] .

(1) * مبيت علي رضي الله عنه على فراش النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى فيه أي نصر للاسلام

عمل علماء الشيعة من مبيت علي رضي الله عنه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة ما بعدها فضيلة، وانتقصوا من فضيلة الهجرة، هذه الحادثة التي وثقها الله في كتابه والتي صارت قرانًا يتلى إلى يوم القيامة، مع العلم ان الله لم يوثق مبيت علي في فراشه، فكتبوا عن هذا المبيت الكتب والمقالات، وذكروا أنه لولاه لما كان هناك دين، ولا كان هناك اسلام ولا مسلمون.

قال مرتضى العاملي في كتابه الصحيح من السيرة (ج4 ص:18) :

ان مبيت علي في فراش النبي صلى الله عليه وسلم قد ضيع الفرصة على قريش وافشل ما كانت دبرته في النبي صلى الله عليه وسلم وكان أيضًا سببا لتمكين الدين واعلاء كلمة الحق..

أقول:

لا أجد ان مبيت علي رضي الله عنه على فراش النبي صلى الله عليه وسلم قد ضيع الفرصة على قريش، ولا اجد فيه أي نصر للاسلام، ولا فيه شيء من التمكين واعلاء كلمة الحق كما يدعي، فإن مبيت علي رضي الله عنه لم يغير شيئًا من عزم قريش واصرارهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ومتابعته.

فاذا رجعنا إلى الرواية وما يتعلق بها من ملابسات.

فاننا سنجد ان المشركين الذين يريدون قتل النبي صلى الله عليه وسلم ذهبوا إلى بيته صلى الله عليه وسلم ففوجئوا بوجود عليٍ نائمًا في فراش النبي صلى الله عليه وسلم فسواءً كان علي نائمًا في فراشه، أو كان فراشه خاليًا، أو كان في فراشه عمر، أو خديجة، أو أبو طالب... أو أي شخص آخر... أو جماد، أو جان... فلا تغيير في الأمر، فإن قريش قد عقدت العزم للذهاب إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم قصد قتله لاعتقادها بوجوده صلى الله عليه وسلم في البيت، فذهبت إلى بيته فوجدت عليًا ولم تجد النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقت مرة أخرى للبحث عنه، فمجيئهم للبيت هو تحصيل حاصل المقصود منه البحث عن النبي صلى الله عليه وسلم والظفر به لقتله سواء كان البيت فارغًا أو كان فيه أحد.

متى يكون مبيت علي نصرًا للاسلام

وان سأل سائل متى إذن يكون مبيت علي نصرًا للاسلام وتتحقق فيه تضييع الفرصة على قريش في محاولتها قتل النبي صلى الله عليه وسلم؟

وللجواب على ذلك نقول ان هذه القضية لا يمكن ان تتصور الا بعد تحقق احدى حالتين:

الاولى:

ان يكون علي رضي الله عنه قد قاتل قريشًا وقتل منهم، ونتج عن ذلك منعهم من الذهاب وراء النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا لم يحصل مع العلم انه الصنديد الشجاع داحي باب خيبر، بل ولم يحاول ذلك حتى لمجرد تاخيرهم من الذهاب وراء النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما تركهم يذهبون من حيث اتوا ساعين وراء مقصدهم الذي جاؤوا من اجله.

والأدهى من ذلك أن نجد بعض الروايات الشيعيَّة تُورِد أن قريشًا ضربت علياًّ وأهانته.

قال الكاشاني في تفسيره (ج2 ص296) ، والطبرسي في اعلام الورى (ج1ص 69) :

فلما أصبحت قريش وثبوا إلى الحجرة وقصدوا الفراش فوثب علي في وجوههم فقال: ما شأنكم، قالوا له: أين محمد صلى الله عليه وسلم؟

قال: جعلتموني عليه رقيبا؟ ألستم قلتم نخرجه من بلادنا فقد خرج عنكم، فأقبلوا يضربونه، ويقولون أنت تخدعنا منذ الليلة، فتفرقوا في الجبال..

الثانية:

لو قام المشركون بقتل علي رضي الله عنه اعتقادًا منهم انه النبي صلى الله عليه وسلم واطمئنوا على قتله، وذهبوا إلى ديارهم معتقدين انهم قتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أثر هذا الفعل قاموا بترك مطاردة النبي صلى الله عليه وسلم، فعند ذلك يكون علي قد فدى النبي صلى الله عليه وسلم وحفظه من المشركين، وبقيام علي بهذا الدور يكون قد ادى خدمة كبيرة للاسلام.

ولكن حقيقة الأمر ان شيئًا من ذلك لم يحصل، ولم نر في المنقول أي اشارة لاي ردة فعل تحققت من جانب علي.

ونتيجة لذلك ومع تخلف تحقق أي احتمال مؤثر فاني لا اجد أي نفع في مبيت علي رضي الله عنه في فراش النبي صلى الله عليه وسلم، ولا اعتقد اصالةً ان النبي صلى الله عليه وسلم قد وضعه متقصدًا ليبيت في فراشه كخطة تمويهيه منه صلى الله عليه وسلم لكي يحمي نفسه بها، وإنما مبيته كان من اجل رد الامانات ليس الا، كما ورد ذلك في الأخبار والسير.

فعلي رضي الله عنه كان يعيش في بيت النبي صلى الله عليه وسلم هذه الفترة من حياته - وكما هو معروف ان النبي صلى الله عليه وسلم هو من قام بتربيته - فهو أعلم الجميع بأصحاب هذه الامانات لذلك ابقاه النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم بهذا الدور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت