فهرس الكتاب
الحادثة تصف عليًا رضي الله عنه بانه شخص دنيوي يتطلع للمناصب منذ صغره
2-ان هذا الوصف الذي وصفت به الحادثة، يحمل من المعاني التي توضح شخصانية الفرد ما يبين من خلالها طبيعة داخلها ومكنون وجدانها وفي قضيتنا هذه، وفيما يتعلق بشخصية علي رضي الله عنه نفسه، نجد ان هذه الحادثة تصف علي رضي الله عنه وهو لا يزال في عنفوان شبابه [1] ،
(1) * حديث المنزلة وغيرها حجة للخوارج للانتقاص من علي رضي الله عنه
ان الشيعة في استدلالهم بالحوادث والاثار ينظرون إلى جانب القوة فيها فقط، ولا يعيرون الاهمية المطلوبة لجوانب الضعف التي تدل عليها هذه الأحاديث والاثار.
هذه الجوانب التي قد يستغلها البعض، وخصوصًا المعادون المبغضون للتشويه والطعن والانتقاص.
وفيما يخص علي رضي الله عنه فإن ما يستدل به الشيعة من اثار واحاديث تحقيقًا لفضائلهم، واثباتًا لما يعتقدونه فيهم من الإمامة في المقابل هناك نواصب له وخارجون عليه يستخدمون نفس هذه الأدلة للطعن فيه وتوجيه المناقص إليه.
فمما يذكر للخوارج هنا انهم جعلوا من أحاديث يعتقد الشيعة انها دليل على إمامة علي رضي الله عنه حجة وبرهان لالحاق النقص بشخصه، والطعن بأيمانه والتزامه من ذلك ما كان منه عندما آمره النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة ولم يخرجه معه إلى الجهاد في غزوة (تبوك) ، فتبرم علي رضي الله عنه لهذا الأمر، ولم يخضع له خضوعًا تامًا، وترددت نفسه للانقياد له والتسليم به، مما اضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ان يغريه بجزاء، ويحبوه بمنقبة لكي يقبل بهذا الأمر وينفذه ويخضع له ذلك، هو ان بادر باتحافه بمنزلة معنوية لغرض تسكين ما تحرك في دواخله فقال له:
(الا ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى) ، فعند ذاك سكنت نفس علي رضي الله عنه للامر الموجه إليها وقبل بتنفيذه ورضي بالتزامه.
كما ان هناك اشارات من الخوارج وغيرهم إلى إلحاق الطعن، أو محاولة التشويه بنقل حوادث أخرى فيها دلالات سلبية، وجوانب ضعف يمكن ان تبرز بصورة حجة أو برهان فيما ذهبوا إليه.
فسمع عنهم انهم يقولون ان كثيراَ من الحوادث تدل على ان نفس علي رضي الله عنه لم تكن مطواعة لتنفيذ اوامر النبي صلى الله عليه وسلم بامتثال مجرد وتنفيذ يدفع إليه الإيمان الكامل والتصديق الجازم، إذ دائمًا نجده يتردد، ويعترض، ويقف حتى تأتيه الجائزة، أو المنقبة، أو الفضيلة ليخضع للامر وينفذ ويرتفع عنه التبرم والاعتراض.
وفي بعض الاحيان لا يخضع، والغريب في هذا الذي لم يخضع له ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرتب على الأمر به جزاءًا أو منقبة كما حصل في صلح الحديبة عندما امر النبي صلى الله عليه وسلم عليًا رضي الله عنه بأن يمسح المكتوب ليكون على وفق ما قال سهيل، فلم ينفذ عليًا رضي الله عنه الأمر حتى اضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ان يمحو هذه الكلمات بنفسه.
واشاروا إلى ان اثبات هذه الحوادث يقرر هذه الصفة في شخص علي رضي الله عنه ويلحقها به ثبوتًا لتكررها على الرغم من تباعد الزمان واختلاف الحال.
لذا فالذي اشرنا إليه ها هنا من دلالة حادثة الدار على اثبات صفة الغرضية، وتحصيل المنفعة من جراء الالتزام باوامر النبي صلى الله عليه وسلم في شخص علي رضي الله عنه قد استشعرنا خطره وعرفنا اثره السلبي لذا بناءًا عليه حكمنا برد هذه الحادثة وبطلانها حتى لا نسمح للمغرضين في استغلالها للطعن بالإمام علي رضي الله عنه.
حادثة أخرى
وهناك حادثة أخرى وردت عن علي تشير إلى هذا المعنى وتدل عليه، اعتمد عليها (مرتضى العسكري) في كتابه معالم المدرستين (ج1 ص:296) لإثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عين عليًا وزيرًا لم يذكرها كاملة خوفاَ من المحذور لانها ستكون دليلاَ عليه لا له، فقال ذاكرًا هذا المقطع من الرواية:
روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للامام علي: أنت أخي ووزيري تقضي ديني وتنجز موعدي... إلى آخر الحديث في فضل الإمام علي..
ولو جئنا بالرواية كاملة كما وردت في المصادر التي اشار إليها (مرتضى العسكري) (الطبراني، مجمع الزوائد، كنز العمال) لتبين الأمر ولوجدنا ان صفة الغرضية والمنفعة متحققة في علي واضحة فيه، وإليك نص الرواية كاملة لتكون على بينة من الأمر:
حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، ثنا محمد بن يزيد هو أبو هشام الرفاعي، ثنا عبد الله بن محمد الطهوي، عن ليث، عن مجاهد، عن بن عمر قال:
بينما أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ظل بالمدينة وهو يطلب عليا رضي الله عنه إذ انتهينا إلى حائط فنظرنا فيه فنظر إلى علي وهو نائم في الأرض وقد أغبر فقال لا ألوم الناس يكنونك أبا تراب، فلقد رأيت عليا تغير وجهه، واشتد ذلك عليه فقال:
ألا أرضيك يا علي، قال: بلى يا رسول الله، قال:
أنت أخي ووزيري، تقضي ديني، وتنجز موعدي، وتبرئ ذمتي، فمن أحبك في حياة مني فقد قضى نحبه، ومن أحبك بعدي ولم يرك ختم الله له بالأمن والإيمان وأمنه يوم الفزع الأكبر، ومن مات وهو يبغضك يا علي مات ميتة جأهلية يحاسبه الله بما عمل في الإسلام..
كنز العمال - المتقي الهندي ج:11 ص:610. مجمع الزوائد - الهيثمي ج9 ص:121. المعجم الكبير - الطبراني ج12 ص:321.
أقول:
انظر معي كيف ان الرواية بتمامها دلت على اثبات صفة الغرضية، ومحاولة الاستغلال للمواقف في شخص علي رضي الله عنه، فهل يقبل الشيعة هذا؟
لكن ما يثار هنا موجهاَ للشيعة:
ماذا لو كان هذا الإعتراض، وعدم الرضا، وتغير الوجه حاصل من قبل (أبي بكر أو عمر أو عثمان) كيف سيتصرف معه الشيعة؟
ألن يعتبروا هذا مطعناَ فيهم؟
ألن يقولوا ان هؤلاء أناس لا يتحملون سماع أي كلام من النبي صلى الله عليه وسلم والله امرنا بقوله:
(( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) )النساء:65.؟.
ألن يكيلوا لهم الكم من الاتهامات؟ ولكن ما يسعنا القول هنا الا أنه الهوى يعمي صاحبه ويصم.