الصفحة 61 من 398

ولم يقف عملهم عند هذا الحد بل بذلوا انفسهم واموالهم رخيصة في سبيل اقامة هذا الدين وتحقيق الطاعة الحقيقة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى وصلت بهم طاعتهم هذه إلى ان يفارقوا اوطانهم ويهاجروا بلدانهم تاركين كل شيء وراء ظهورهم لاجل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وتقديم ما يمكن ان يقدموه لاجل نصرة هذا الدين.

والادهى من هذا انهم عادوا أهليهم فلم يرقبوا فيهم لا أبوة، ولا أخوة، ولا بنوة، ووصل الأمر بهم إلى ان يقتلوهم في سبيل الله وطاعة ونصرة لرسول الله.

وقدموا أروع وأبلغ صور في الصبر، والتحمل، والتضحية فصبروا على ألم الشتات والتفرق بعد الألفة والسكينة التي كانوا يعيشونها.

وصبروا على المهانة، والذل، والانكسار، والهوان، وتحملوا مأساته بعد ان كانوا اعزاء في قومهم يشار اليهم بالبنان.

وصبروا على الفقر، والعازة، والجوع، والحرمان بعد ان كانوا اغنياء مترفين، منعمين، ومكتفين.

وصبروا على الشدائد، والملمات، والاهوال، والمصائب، وشتى صور العذاب والأذى، وأنواع الضرر بعد ان كانوا يعيشون في رخاء، وفي بحبوحة من العيش، كل هذا وغيره قدموه رخيصًاَ عن رضًا وطيب خاطر في سبيل الله ولاجل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وسيرتهم في هذا مشهورة معروفة لا ينكرها الا جاحد أو حاقد، ولا يعارضها الا مكابر، ولا يكذبها الا سفيه ضعيف العقل.

ومع هذا كله فلم يكن أحد منهم خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يستحق ان يكون وصيًا أو وزيرًا، ولم يعرض عليهم أصلًا هذا الأمر لا ابتداءًا قبل دخولهم إلى الإسلام، ولا بعد ان ظهرت منهم كل هذه الصور المشرقة عندما قاموا بهذه الاعمال في سبيل الله.

ان مجرد تصور هذه الحقيقة ليكفي في نقض هذا الحديث وابطاله، ناهيك عما فيه من الغبن والظلم لبعض الناس الذين قدموا اضعاف هذا العرض الذي عرض على هؤلاء الحاضرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت